كتبه/ سامح بسيوني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زلنا في الحديث عن خطوات التعامل مع الأخطاء:
4- عدم التهوين من الخطأ مع عدم نسيان حسنات المخطئ:
نحن جميعًا بشر نخطئ ونصيب؛ فلا يجب أن نهدم الفرد لمجرد سيئة واحدة، أو لمجرد أنه أخطأ، ولا يجب أيضًا أن نهون من الخطأ، وإنما نسعى في علاجه مع وزن شخصية المخطئ بميزان قويم لحسناته وفضائله ونجاحاته، وأخطائه وزلاته؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- اشتد على عمر في قصة خلافه مع أبي بكر -رضي الله عنهما- لمَّا لم يقبل اعتذار أبي بكر له، مع فضل أبي بكر وسبقه.
وهذه المنهجية المذكورة -أعني عدم التهاون مع الخطأ مع عدم نسيان حسنات المخطئ- ميزان ضابط عند أهل السُّنة والجماعة في ضبط أقدار الناس والحكم عليهم، بل هي منهجية واضحة في النظر إلى المحاسن والمساوئ عند الأفراد.
فهذا سعيد بن المسيب يقول: "لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ وَلَا شَرِيفٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ إِلَّا وَفِيهِ عَيْبٌ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهُ ذَهَبَ فَضْلُه" (جامع بيان العلم وفضله).
وقال الإمام الذهبي: "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفورًا له، قمنا عليه وبدَّعناه وهجرناه، لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين؛ فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة" (سير أعلام النبلاء).
وقال الإمام ابن القيم: "ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعًا أنَّ الرجل الجليل الذي له في الإسلام قَدَم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتَّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته في قلوب المسلمين" (إعلام الموقعين).
وقال ابن رجب الحنبلي: "ويأبى الله العصمة لكتابٍ غير كتابه، والمنصف مَن اغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه" (القواعد).
5- البحث عن حق المخطئ فيك أولًا قبل حقك:
وهذا خُلُق قويم ومنهجية قيمية عالية، تحافظ على المودة بين الأفراد حتى في وقت خلافهم، ومن ثم يساعد ذلك على تجاوز مرحلة الخلاف بسلام، وعلى إطفاء نار الفرقة التي يسعى الشيطان في إزكائها دومًا، وهذا الأمر يحتاج إلى نفوس راقية وقلوب صافية ترفع وقت الخلاف شعار: "أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ"؛ يعني: قبل أن أبحث عن حقي أبحث عن حق أخي، وقبل أن أتكلم في تقصيره هو، أنظر إلى تقصيري في حقه وواجبي تجاهه، وما الأمر أو الذنب الذي حدث مني جعل العلاقة تتوتر فيما بيننا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فِي الله فَيُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني).
والعاقل هو من يبدأ بالنظر في نفسه أولًا قبل أن ينظر إلى أمر غيره، ونحن نحتاج عند التعامل مع الأخطاء وفي الخلافات إلى التثبُّت، ثم السؤال عن الدافع، وتقبُّل العذر مع عدم التغافل عن الخطأ، ووضع الخطأ في ميزانه الضابط، مع تقديم النظر لواجبنا تجاه الآخرين قبل النظر لحقوقنا عليهم.
وإننا بالحرص على وجود هذه الحقوق الأخوية الإيمانية بين أفراد الكيان الإصلاحي ستهون الصعاب، وينشر الله بها القبول والمحبة بين الأفراد فيما بينهم، وكذلك تنجذب قلوب أفراد المجتمع إليهم؛ مما يساهم في قوة الكيان، وتجذر وجوده وعظم تأثيره.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.