الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأحد 08 فبراير 2026 - 20 شعبان 1447هـ

لن يضيعنا!

كتبه/ سالم أبو غالي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فنحن نحسب كل شيء بعيوننا القاصرة، نضع الخطط والاحتمالات، ونظن أن الأمور تسير وَفْق حساباتنا نحن.

نرى الواقع فنرتعب من الأبواب المغلقة والطرق المسدودة والبحور التي لا معابر لها، ثم نندهش إذا تغيَّر كل شيء فجأة، وكأن الكون كله تحرك في لحظة دون أن نعلم أن هناك ربًّا يدبّر، وأن تدبير الرب أعظم وأوسع من كل التدبير البشري!

كان البحر أمام قوم موسى والعدو خلفهم، وكل حسابات البشر تقول: انتهى الأمل، لم يعد هناك طريق للنجاة؛ ولذلك نطقوا بلسان العجز: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (الشعراء: 61)، لكن موسى -عليه السلام- كان ينظر بعين قلب تعلم أن ربه أقرب من الحسابات كلها، فكان صوته ثابتًا قويًّا: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء: 62).

مجرد كلمة يقين من قلب عارف بالله قلبت موازين الدنيا كلها، فانشق البحر وظهر الطريق من حيث لا طريق، وتكفّل رب السماء بالنصر حين عجزت حسابات البشر عن تقديم حل واحد.

وفي الغار: حين كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه أبو بكر -رضي الله عنه- محاصرين بالمطاردين حتى وصلوا إلى باب الغار ذاته، وكل شيء في المنطق يقول: إن نظرة واحدة تحت الأقدام تكشف المستور وينتهي الأمر.. خوف أبي بكر لم يكن على نفسه فقط، بل على رسول الله في المقام الأول، فقال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، لكن صاحب الرسالة كان يرى بعين أخرى، بعين اليقين العظيم، فقال كلمته الخالدة: (مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا) (رواه البخاري ومسلم)، فحُجبت الأبصار، وانتهى الخطر بنظرة رحمة، وخرج من الغار نور سيملأ العالم هداية.

وفي الصحراء ترك إبراهيم -عليه السلام- زوجته هاجر ورضيعها إسماعيل في أرض جرداء لا زرع فيها ولا ماء ولا أحد، وأي حساب بشري قد يرى ذلك جنونًا أو انتحارًا أو هلاكًا لا جدال فيه، لكنها سألت سؤالًا واحدًا يختصر كل اليقين: آلله أمرك بهذا؟ فلما قال: نعم، أجابت بثقة المؤمن الواثق بعهد ربه: إذًا لن يضيعنا. فجعل الله من الصحراء حياة، ومن الظمأ زمزمًا، ومن المستحيل قصة خالدة تهوي إليها الأفئدة من كل فج عميق.

هكذا دائمًا، حين تستسلم الحسابات يقدر ويدبر رب الحسابات، فيحوّل الخوف أمنًا، والضيق فرجًا، واليأس انفراجًا.

يوسف -عليه السلام-: يُرمى في الجب فيغدو عزيز مصر، أم موسى تلقي بطفلها في اليم ليُعاد إليها نبيًّا ورسولًا، عيسى -عليه السلام- يولد بلا أب ليجعله الله آية للخلق جميعًا.

كلها رسائل من الله للبشر تقول: ما تظنه ضياعًا قد يكون بداية النجاة، وما تظنه نهاية قد يكون مقدمة لتقدير أجمل، وما تخشاه قد يكون سبب عزّك الذي لم تتخيله يومًا.

كل ما تتعلق به وقد تمنعه الأقدار، قد يكون الله صرفه عنك رحمة بك؛ لأنه يعلم ما لا تعلم، وكل ما تكرهه الآن ربما تخبئ أقدار الغيب لك فيه خيرًا لا تستوعبه اللحظة (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: 216). فلا تجعل قلبك مربوطًا بأمنياتك، اجعله معلقًا بربك، فالخير كل الخير فيما اختاره الله، وإن لم تفهمه الآن.

المؤمن الحقيقي يسلّم، يرضى، يطمئن، يعلم أن تأخير الخير خير، وأن تغيير الطريق لطف، وأن ما كتبه الله أجمل دائمًا: فمهما ضاقت بك الدنيا، تذكر أن تدبير ربك لا يشبه أبدًا تدبير البشر، وأن الطريق الذي لا تراه الآن قد ينشق أمامك فجأة كما انشق البحر لموسى، وأن ما تظنه موتًا قد يكون زمزمًا جديدًا في حياتك، وأن اللحظة التي تبكي فيها ظنًّا بأن النهاية قد حلّت، قد تكون لحظة بداية مقدَّرة لك منذ زمن بعيد.

فقل دائمًا بقلب يوقن قبل لسانه: قدَّر الله وما شاء فعل، واطمئن… فإذا فوّضت الأمر له رأيت العجب، ورأيت المستحيل يحدث دون جهد منك ولا تخطيط… فقط لأن الله دبَّر.