كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيستمد المسلم من تفاصيل الإيمان بالله -تعالى- ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان بالقدر خيره وشره ومقتضياته، ومن تفاصيل الإيمان باليوم الآخر؛ منهجه العملي في مواجهة الابتلاءات والمحن والشدائد التي يتعرض لها طوال حياته والتعامل معها.
ومدار هذا المنهج على محاور ثلاثة:
الأول: حتمية ابتلاء العباد في الحياة الدنيا.
الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال.
الثالث: حتمية وقوع الفرج.
والأدلة على هذه المحاور موجودة وثابتة في الكتاب والسُّنة، فإن منهما يستمد المسلم عقيدته ومنهجه.
المحور الأول: حتمية الابتلاء في الدنيا:
وذلك أن الدنيا لكل الناس هي دار اختبار وممر إلى الآخرة، بينما الدار الآخرة هي لهم دار الجزاء والمستقر؛ لذا فالعاقل من كانت همته الآخرة قبل الدنيا، وسعى للآخرة سعيها، ولم ينسَ نصيبه في الدنيا، لكنه لا يجعلها في قلبه ولا تكون منتهى أمله؛ قال الله -تعالى- حاكيًا عن قوم قارون قولهم له ينصحونه لما فيه صلاحه في الدنيا ونجاته في الآخرة: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77).
وقال الله -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا . وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا. كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) (الإسراء: 18-20).
وقد أكَّد القرآن الكريم على أن الإنسان إنما وُجد في الدنيا ليُبتلى، وأن الابتلاء في الدنيا أمر حتمي لا مفر منه: قال الله -تعالى-: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: 1-2)، وقال الله -تعالى-: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء: 35)، وقال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31)، وقال الله -تعالى-: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا . إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان: 2-3).
وقال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة: 155-157).
وهذا على خلاف ظن بعض الناس أن ما يصيبه في الحياة من ضر أو فقد ولد أو قلة مال لا بد أن يكون من غضب الله -تعالى- عليه، وهو في ذلك لا يدري أن الابتلاء لأهل الإيمان هو سنة كونية ظاهرها المحنة وباطنها المنحة، وذلك حال الرضا بها والصبر عليها، وعدم الجزع والشكوى منها. فلم يكن ابتلاء الله -تعالى- لنبيه أيوب -عليه السلام- عقابًا له على ذنب أو معصية، ولكن ليكشف للناس مقدار إيمان أيوب -عليه السلام- وثباته وصبره على قضاء الله -تعالى-، والله -تعالى- يقول: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر: 15-16) (الآيات).
وهذا لا ينافي أن الابتلاء في الدنيا قد يصيب العبد المذنب ليتوب وينيب إلى ربه: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: 76)، وقد أخبرنا الله -تعالى- أن ما يصيب الإنسان من سوء يمكن أن يكون بسبب إثم اكتسبه، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) (النساء: 111)، مع فتح باب التوبة والإنابة، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء: 110)، وقال الله -تعالى-: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه: 82).
ومن هنا فإن غالب أهل الإيمان إنما يجتازون فترة هذه الابتلاءات والاختبارات المقدرة عليهم ويخرجون منها أكثر قوة وثباتًا، وأكثر امتنانًا وقربًا من الله -تعالى-، وعلى النقيض فإن غالب ضعاف الإيمان لا يحتملون تلك الابتلاءات والاختبارات فيصابون بالإحباط أو الاكتئاب أو اليأس؛ قال الله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: 11).
فالإنسان لا يتعلم ولا يتعرف على حقيقة إيمانه إلا من خلال آلامه وأخطائه التي يتعرض لها وهو في مواجهة الابتلاءات والمحن، والمؤمن الحق عند الشدة والعسر يصبر ويجاهد نفسه، وعند اليسر والنعمة يحمد الله -تعالى- ويشكره، قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7).
وفي ذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).
ومن هنا يحتاج الإنسان في كل مكان وزمان إلى تصحيح مفاهيمه عن المحن والشدائد التي يتعرض لها، وإعداد نفسه إعدادًا نفسيًّا لمواجهتها بالحقائق الواجب معرفتها، والتعامل مع المحن والشدائد بمقتضاها، ومن ثم تبني رؤية إيجابية مبنية على إدراك أن لله -تعالى- حكمة بالغة في أفعاله، وأن له سنته عز وجل في الابتلاءات، مما يعود بالمصلحة الدنيوية على العبد في أموره الدنيوية والفوز بجنة الله -تعالى- في الآخرة.
(أضف إلى ما تقدم حقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة إلا بعد معاناة الشقاء، ولا يمكن أن يشعر بالراحة والطمأنينة إلا بعد التعب والمكابدة، ولا يمكن أن يشعر بالصحة والعافية إلا بعد معاناة المرض وآلامه، وهكذا لا تُعرف قيمة الأشياء إلا بأضدادها. ونحن -البشر- لا نحس أو نقدر نعم الله -تعالى- علينا إلا إذا ابتلينا بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فما الشقاء والتعب والمرض وغيره من الابتلاءات إلا نعمة لمن يتقبلها ويصبر عليها، وهي نقمة لمن يسخط منها ولا يصبر عليها. فالقضية أو المشكلة ليست في الابتلاء ذاته الذي هو قدر الله، وإنما هو موقفنا منه، وهو ما نملكه باختيارنا مدركين حكمته -تعالى- من حتمية الابتلاء والاختبار، وحتمية التعامل معه بالأسلوب الصحيح، أي من خلال الاعتصام بالله والرضا بقضائه، والعمل الصالح ابتغاء مرضاة الله -تعالى- وفرجه، ليكون المؤمن قويًّا) (ينظر رسالة: كيف نواجه الشدائد والمخاوف في ضوء الكتاب والسنة؟ - تأليف المستشار الدكتور محمد شوقي الفنجري - هدية مجلة الأزهر - عدد شهر رمضان 1446 هـ، ص 29-30 بتصرف يسير).
لذا فمن الإيمان بالقضاء والقدر: إيمان المسلم أن ما أصابه ويصيبه من البلاء ما كان ليخطئه، وما أخطأه أو نجا منه ما كان ليصيبه؛ قال الله -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51)، وفي الحديث قال -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: (اعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ) (رواه الإمام أحمد وصححه الألباني).
ومما ينبغي أن يُعلم في هذا المقام: أن عظم الأجر والثواب مع عظم المصيبة والبلاء؛ لذا كان الرسل والأنبياء أشد الناس بلاء وأكثرهم عليه أجرًا، ولما سُئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر الناس بلاء قال: (الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ) (رواه أحمد والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني). وفي الحديث المرفوع: (إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ) (رواه ابن ماجه وأحمد وحسنه الألباني).
وعن الأسود بن يزيد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (أَجْرُكَ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكَ) (رواه البخاري)، وعن الإمام أحمد أنه قال: يُبتلى المرء بقدر إيمانه، وكلما اشتد البلاء عظم الثواب.
ونخلص مما تقدم أن الابتلاء في الحياة الدنيا هو أمر حتمي لا خلاص ولا فكاك منه، وذلك لحكمة إلهية؛ لقول الله -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2)، وقوله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) (محمد: 31)، وقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الملك: 2).
وليكون جزاؤنا في الدنيا والآخرة بحسب جهادنا وصبرنا: قال الله -تعالى-: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) (النجم: 39-40)، وقال الله -تعالى-: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (الأحقاف: 19).
وإن الابتلاء هو في ذاته نعمة، فمن خلاله يُربى الإنسان نفسه، ويُقوَّم سلوكه، كما أنه يتعرف على الله بوعي، ويرتبط به بصدق، ويدعوه -تعالى- مؤمنًا بعفوه وعونه. وقد قيل: إن المصيبة هي عقوبة وتنبيه للغافل والفاسق لقول الله -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضْرَعُونَ) (الأعراف: 94).
وهي نعمة وأجر للمؤمن وزيادة في إيمانه: لقول الله -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: 173) (المصدر السابق، ص 38-39 بتصرف يسير).
وقال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ . فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 42-45).
لذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء.
(والقاعدة الذهبية التي أرساها الإسلام في مواجهة الشدائد والمخاوف وسائر أحداث الحياة وأزماتها هي سعي المرء إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه أو تغييره، والرضا بما لا يمكن إصلاحه أو تغييره، محتسبًا ذلك عند الله -تعالى- متوكلًا عليه، فلا أحد يستطيع أن يمنع أو يوقف قضاء الله -تعالى- وقدره في ابتلائه، وإنما يستطيع أن يعالج ويداوي نفسه، أو أن يتأقلم ويتعايش مع بلواه مستثمرًا ومستفيدًا منها) (المصدر السابق، ص 40).
ولذا قيل: من لم يصبر على البلاء لم يرض بالقضاء.
المحور الثاني: الابتلاء يأتي على قدر الاحتمال:
تختلف الابتلاءات والمحن والشدائد من شخص لآخر باختلاف الأشخاص، كل في حدود احتماله، وبقدر ما وهبه الله -تعالى- له من القدرات والإمكانيات، ولكن يجمعها جميعًا أنها برحمة من الله وفضله تكون على قدر احتمال العبد وفي قدرته على الصبر، قال الله -تعالى-: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) (البقرة: 286)، وقال -تعالى-: (رَبَّنَا لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286). فالعبد غالبًا ما يُبتلى على قدر إيمانه.
ومن محاسن الشريعة الإسلامية: مساعدة أحكامها العبد المبتلى على تخطي الابتلاءات والمحن والمصاعب من خلال ما في الشريعة الإسلامية من صور متعددة من التخفيف وإسقاط لبعض التكاليف في حالات المرض أو المشقة أو العجز؛ قال الله -تعالى-: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185)، وقال الله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ) (التوبة: 91)، وقال الله -تعالى-: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) (النور: 61).
ومن محاسن الشريعة أيضًا: توفير أسباب شرعية لعلاج الكثير من الشدائد والمحن أو الوقاية منها، وهي أسباب معروفة ومجربة، وفي مقدمتها: الدعاء؛ قال الله -تعالى-: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم: 7)، وفي أمر الدعاء قال الله -تعالى-: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وفي الحديث المرفوع: («مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
وفي الحديث المرفوع: (إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وفي الحديث المرفوع: (ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
ومن حكمة الله -تعالى- ورحمته بعباده: أن جعل المصيبة تبدأ كبيرة ثم تتضاءل وتصغر بالتدريج، وفي الحديث المرفوع: (إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى) (متفق عليه). وأنه مهما كانت شدة المصيبة فإن التحلي بالصبر والاستعانة بالله -تعالى- وبإدراك حكمته في الابتلاء يتمكَّن العبد من اجتياز الشدة أو المحنة التي يتعرض لها؛ لذا كان الصبر عند المصيبة من أوجب الواجبات على العبد المبتلى، قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17)، وقال الله -تعالى-: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) (النحل: 127)، وقال الله -تعالى-: (وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 146)، وقال -تعالى-: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا ? إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا) (المعارج: 5-7).
والصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى ولا جزع فيه: وفي الحديث المرفوع: (عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَ وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ احْتَسَبَ وَصَبَرَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).
ومن كمال الإيمان بالقضاء والقدر: التسليم لقضاء الله -تعالى- مهما كان، وهذا مما يعين العبد على تخطي المحن والمصاعب مهما اشتدت، وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لَكَانَ كَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) (رواه مسلم).
وذلك أن العبد المبتلى إذا عَلِم أن ما قدَّره الله -تعالى- عليه من البلاء والمصيبة هو أمر مكتوب عليه من الأزل ولا مفر من وقوعه، وأن له وقته ثم يزول، استراحت نفسه وذهب حزنه وخف همه، لغلب عليه يقينه بعدل الله -تعالى- ورحمته، وأنه لن يضيعه في الدنيا والآخرة على ما كان عليه من تقواه وإيمانه وصبره، فالله -تعالى- هو الأعلم بمصلحة العبد منه، وسيجزيه عن مصيبته خيرًا.
ومن صور الابتلاءات والمحن من هذا القبيل ما يتعرَّض له كبار السن عند الاقتراب من نهاية العمر، ليراجع كل إنسان مع قرب نهاية عمره نفسه، فيتدارك ما يمكن تداركه بتوبة صادقة، أو رد مظالم للعباد عنده، وهي قبل ذلك وبعده كفارة للذنوب أو رفع للمنزلة والدرجة في الآخرة، وهذا كله مما يبث في النفس المدركة والمتقبلة لكل هذه المعاني القدرة على الصبر والتحمل، وهذا من رحمة الله -تعالى- بعباده المؤمنين وفضله عليهم.
والصبر على الابتلاءات على صورتين:
الأولى: العمل والاجتهاد في تغيير وإصلاح الحال ما أمكن في مواجهة مشكلات وهموم الحياة، قال الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) (محمد: 31).
الثانية: الرضا بقضاء الله -تعالى- وقدره، والصبر عليه وحسن التوكل على الله -تعالى-، خاصة فيما لا يمكن تغييره أو رجوعه، كموت شخص أو إصابة الشخص بعاهة مستديمة؛ قال الله -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).
وقد ورد ذكر الصبر والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب في عشرات الآيات القرآنية، فهما مرتبطان معًا ارتباطًا وثيقًا بمثابة وجهين لعملة واحدة، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (النحل: 42).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.