كتبه/ عبد الرحمن راضي العماري
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن البؤس الذي يخيّم على حياة كثير منا ليس نابعًا من قِلَّة ما يملكون، بقدر ما هو ثمرة انعدام الرضا والقناعة، فقد مرَّ على آبائنا وكثير من الأجيال السابقة أحوال أقسى وأشد مما نحن فيه! ولكن حال كثير منا -إلا من رحم الله- لا قناعة تسكّن النفس، ولا شبع يملأ القلب، بل لهاث دائم خلف المزيد؛ للمباهاة والتفاخر والتقليد الأعمى، يُغلَّف بشعارات الرغبة في التحسين من المستوى المعيشي أو ملاحقة الأهداف الشخصية أو تحقيق الاستقرار.
وفي خِضَم هذا السعي المضني ننسى ما بين أيدينا، فلا نشعر بقيمته، ولا نلتذ بوجوده، فنزداد بؤسًا حين نعجز عن بلوغ ما نريده ونلاحقه؛ حتى أننا وقعنا فيما حذرنا منه النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كان كل نظرنا لمن هو أعلى ماديًّا: ازدراء نعمة الله علينا.
فكيف إذا كان هذا السعي والتنافس بغير قناعة، وضعف إيمان، وخواء روح، وتفريط في التزود ليوم المعاد وتحقيق الغاية من الوجود "العبودية"، وغياب الأثر أو عدم تحمل مسؤولية في مشاريع إصلاحية، وافتقاد الصحبة الصالحة، وانقطاع الصلة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وتراثنا الثري مما ذكره أسلافنا فيما يتعلق بالرضا والقناعة، والتعامل مع الرغبات والاحتياجات والأولويات؟! ليحل محل ذلك انشغال مفرط بالمرئيات السريعة والمقاطع الخاطفة، التي تغذي التشتت وتعمّق السطحية وتقضي على الفراغ إن كان ثم فراغ.
وهذه العوامل مجتمعة تنتج قدرًا كبيرًا من الهشاشة النفسية والاضطرابات الداخلية، وتمهد لظهور سلوكيات ذميمة، وترسخ الجفاء والمادية والفرقة والانحدار.
ولا مخرج من هذا الحال إلا: بالعودة الصادقة إلى معين الوحي الصافي، وبإحياء الاجتماع على الخير؛ اجتماع الناس في البيوت والمناطق على حلق الذكر السنية، كمجالس تعلم الحلال والحرام، وفقه الشريعة، وتعلّم القرآن تلاوة وتدبرًا وتفقهًا، ومدارسة معاني الأذكار، إلى جانب الإسهام الفاعل في المبادرات التكافلية والمشاريع الإصلاحية؛ فذلك سبيل لإحياء القلوب، ولم الشمل، والخروج من دوائر البؤس والجفاء إلى رحاب المعنى والسكينة والإنسانية.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.