الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 05 يناير 2012 - 11 صفر 1433هـ

حول تعليق "د. ياسر" في مسألة الجزية

السؤال:

ما عهدناكم إلا رجاعين للحق.

هذا رد الشيخ "محمد شاكر الشريف" على موضوع الجزية:

"هذه المسألة العملية حدثت أول ما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، والعلماء اطلعوا عليها مِن قديم كما اطلعوا على آية التوبة التي فيها فرض الجزية، فكنا نود من الشيخ ياسر -بارك الله فيه- أن يذكر لنا عمن أخذ هذا القول من أهل العلم.

أخي الكريم عندما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة لم يكن اليهود أهل ذمة، وإنما كانوا أهل موادعة وعهد، والجزية إنما تفرض على أهل الذمة، ومِن ثَمَّ فإن التأسيس الذي بنى عليه الشيخ ياسر رأيه تأسيس غير صحيح.

وكلام الشيخ ياسر يجعل ضرب الجزية صورة من الصور الممكنة في التعامل الخاضع لقاعدة المصالح والمفاسد، ومِن خلال هذا الرأي لا يكون ضرب الجزية أمرًا مبتوتًا، وإنما يخضع للظروف والأحوال، لكن هذا القول الذي أذكره لا يتجاوز القدرة، فالتكليف مرتبط بالوسع كما قال -تعالى-: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا) (البقرة:286)، لكن في حالة عدم القدرة لا يسوغ لنا أن نستنطق الأدلة مكرهة؛ لنجعل من حالة عدم القدرة أو العجز المؤقت حالة دائمة لا ترتبط بالقدرة، وإنما ترتبط بالمصلحة -والله تعالى أعلم-".

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأنا لم أقل أن حالة عدم القدرة حالة دائمة، بل الكلام واضح في أن المسلمين حسب حالهم، أي مِن القدرة والعجز، والمصلحة والمفسدة، يتعاملون بما يناسب حالهم مع غير المسلمين؛ فهل في هذا أن هذه حالة دائمة ليست مرتبطة بالقدرة؟!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتألف قومًا ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خُلفوا كانوا خيرًا من أكثر المؤلفة قلوبهم لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة؛ كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح" (اهـ من مجموع الفتاوى).

والمتبع لمراحل تشريع الجهاد في الإسلام يعلم أنه مر بمراحل:

المرحلة الأولى: مرحلة الكف والإعراض والصفح حيث كان القتال محرمًا، قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) (النساء:77).

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوْا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَكَّةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً، فَقَالَ: (إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ، فَلا تُقَاتِلُوا) فَلَمَّا حَوَّلَنَا اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ، فَكَفُّوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ) (النساء:77)، (رواه ابن جرير والنسائي، وصححه الألباني).

وقال ابن القيم -رحمه الله- عن هذه المرحلة: "والله -سبحانه- يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح؛ فأذن لهم بالقتال، ولم يفرضه عليهم فقال: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39)" انتهى.

وهذه هي المرحلة الثانية: مرحلة الإذن بالقتال.

ثم المرحلة الثالثة: وهي الأمر بالقتال لمن قاتلهم دون مَن لم يقاتل، وذلك بقوله -تعالى-: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (البقرة:190).

ثم المرحلة الرابعة: فرض عليهم قتال المشركين كافة بقوله -تعالى-: (وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً) (التوبة:36)، وقوله -تعالى-: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ) (التوبة:5)، وقوله -تعالى-: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، وقوله -تعالى-: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ) (الأنفال:39).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وأبي العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم: يعني حتى لا يكون شرك.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ) (متفق عليه).

وهذه المرحلة الأخيرة هي التي استقر عليها الأمر في معاملة المسلمين للكفار مِن جميع الأجناس -أهل الكتاب وغيرهم-، وقال أكثر السلف بنسخ آيات الموادعة والصفح والعفو.

ولا يختلف العلماء مِن "المذاهب الأربعة"، وغيرهم على أنه يلزم المسلمين عند القدرة ابتداء الكفار بالقتال، ولو لم يقاتل الكفار المسلمين -وهذا جهاد الطلب-، مع لزوم جهاد الدفع بالإجماع.

ورغم أن المستقر عند الفقهاء المرحلة الأخيرة؛ إلا أن عامتهم يصرح بأن حكم المراحل السابقة لم يزل بالكلية، بل يُعمل بها عند الحاجة.

قال الزركشي -رحمه الله-: "قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب... الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب: كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه مِن عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، ونحوها، ثم نسَخَهُ إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء كما قال -تعالى-: (أَوْ نُنسِهَا) (البقرة:106)، فالمنسأ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفى حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا التحقيق تَبيَّن ضعف ما لهج به كثير مِن المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف وليست كذلك، بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر" (البرهان:2/42).

وذكر السيوطي هذا الكلام في "الإتقان"، ولم ينسبه للزركشي، والحقيقة أن الخلاف بين الفريقين خلاف لفظي لا حقيقة له، إذ مصطلح النسخ عند السلف يشمل التقييد والتخصيص، وبيان الإجمال، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام "ابن تيمية" في "الإكليل"، فالجميع متفق على أنه لا يكلف المستضعف -"الذي يشبه حاله حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والمسلمين بمكة"- ما لا طاقة له به مِن القتال، وقد سبق الزركشي غيره مِن أهل العلم بذلك.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فمن كان مِن المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف؛ فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوه الجزية عن يد وهم صاغرون" (الصارم المسلول:1/221).

 قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا) (الأنفال:61): "وقال ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة أن الآية منسوخة بآية السيف في براءة: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ) (التوبة:29)، وفيه نظر؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية؛ فلا منافاة، ولا نسخ، ولا تخصيص -والله أعلم-".

قال القرطبي -رحمه الله-: "قال ابن العربي: قد قال الله -تعالى-: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ) (آل عمران:139)، فإذا كان المسلمون على عزة ومنعة، وجماعة عديدة، وشدة شديدة؛ فلا صلح. وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح؛ لنفع يجتلبونه أو ضرر يدفعونه؛ فلا بأس أن يبتدئ المسلمون إذا احتاجوا إليه، وقد صالح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم، وقد صالح الضمري، وأكيدر دومة، وأهل نجران، وقد هادن قريشًا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة" (تفسير القرطبي:8/40).

وقال الشافعي -رحمه الله-: "لا تجوز مهادنة المشركين أكثر مِن عشر سنين على ما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الحديبية، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة؛ لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية".

وقال ابن حبيب -من المالكية-: "تجوز مهادنتهم السنة، والسنتين، والثلاث، وإلى غير مدة.. " انتهى. والمقصود إلى أن يقوى المسلمون فينبذوا إليهم على سواء قبل قتالهم، كما بيَّنه "ابن القيم" -رحمه الله- في الزاد.

قال ابن حجر -رحمه الله-: "قال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم؛ لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعزُّ مِن أن يُعطى المشركون على أن يكفوا عنهم؛ إلا في حالة مخالفة اصطلام المسلمين لكثرة العدو؛ لأن ذلك مِن معاني الضرورات، وكذلك لو أُسر رجل مسلم فلم يُطـْلق إلا بفدية؛ جاز" (فتح الباري:6/276).

قال ابن قدامة -رحمه الله-: "لا تجوز المهادنة مطلقًا من غير تقدير مدة؛ لأنه يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية... وقال: وتجوز مهادنتهم على غير مال، وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم؛ فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي؛ لأن فيه صغارًا على المسلمين، وهذا محمول على غير حالة الضرورة، فأما إذا دعت إليه الضرورة وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر؛ فيجوز؛ ولأن بذل المال إن كان فيه صغار، فإنه يجوز تحمله؛ لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل، والأسر، وسبي الذرية الذين يُفضي سبيهم إلى كفرهم" (المغني:9/298).

وقال الشيباني -رحمه الله- في السير الكبير: "وإذا خاف المسلمون المشركين فطلبوا موادعتهم فأبى المشركون أن يوادعوهم حتى يعطيهم المسلمون على ذلك مالاً؛ فلا بأس بذلك عند تحقق الضرورة".

وبهذه النقول كلها يتضح لكَ أنه لا خلاف بين السلف أن العمل بالمرحلة الأخيرة من الجهاد إنما هو حسب الإمكان والقدرة، وأما ما لا قدرة عليه؛ فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإلا عليهم الأخذ بأسباب القدرة حتى يزول عنهم هذا الاضطرار.

وهكذا يتضح لكَ أن إنكار المرحلية بالكلية واعتبارها جُبنًا، وإلزام من يقول بها بأنه يدعو إلى ترك سائر الواجبات التي فُرضت بعد المرحلة المكية - غلو مخالف لكلام أهل العلم مِن المذاهب الأربعة، وغيرهم.

ولا تقتصر صورة العجز على العجز الحسي فقط، بل غلبة الظن بحصول الأذى الجسيم على طائفة مِن المسلمين مِن هزيمة، وقتل، وسبي وأسر مِن غير مصلحة راجحة تدخل في هذا المعنى كذلك، قال الله -تعالى-: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال:66).

روى ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، وأن يقاتل مائة ألفًا؛ فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى، فقال: (الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) (الأنفال:66)، فكانوا إذا كانوا على الشطر مِن عدوهم لم ينبغي لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم أن يقاتلوا، وجاز لهم أن ينحازوا إلى المسلمين".

قال الكاساني -رحمه الله-: "الغزاة إذا جاءهم جمع مِن المشركين ما لا طاقة لهم به، وخافوهم أن يقتلوهم؛ فلا بأس أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحُكمُ في هذا الباب لغالب الرأي، وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات وإن كانوا أقل عددًا منهم، وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين؛ ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عددًا من الكفرة، وكذا الواحد من الغزاة ليس معه سلاح مع اثنين منهم معهما سلاح، أو مع واحد من الكفرة ومعه سلاح لا بأس أن يولي دبره متحيزاً إلى فئة" (بدائع الصنائع:7/98).

وقال النووي -رحمه الله-: "قال الجمهور: إذا التقى الصفان فله حالان: أحدهما: أن لا يزيد عدد الكفار على ضعف عدد المسلمين، بل كانوا مثلي المسلمين أو أقل؛ فتحرم الهزيمة والانصراف إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة... هذا الذي ذكرناه من تحريم الهزيمة إلا لمتحرف أو متحيز هو في حال القدرة، أما مَن عجز بمرض ونحوه، أو لم يبق معه سلاح؛ فله الانصراف بكل حال، ويستحب أن يولي متحرفًا أو متحيزًا، فإن أمكنه الرمي بالأحجار؛ فهل تقوم مقام السلاح؟ وجهان. قلت: أصحها تقوم -والله أعلم-.

ولو مات فرسه وهو لا يقدر على القتال راجلاً فله الانصراف، ومَن غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل، هل له الانصراف؟ وجهان. الصحيح: المنع... الحالة الثانية: إذا زاد عدد الكفار على مثلي المسلمين جاز الانهزام، وهل يجوز انهزام مائة من أبطالنا من مائتين وواحد من ضعفاء الكفار؟ وجهان. أصحهما: لا؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف. والثاني: نعم؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، ويجرى الوجهان في عكسه... وإن غلب على ظنهم أنهم إن ثبتوا ظفروا استحب الثبات، وإن غلب على ظنهم الهلاك، ففي وجوب الفرار وجهان. وقال الإمام: إن كان في الثبات الهلاك المحض من غير نكاية وجب الفرار قطعًا، وإن كان فيه نكاية فوجهان. أصحهما: يستحب ولا يجب" (روضة الطالبين:10/247-248).

وذكر ابن جزي الغرناطي المالكي في القوانين الفقهية نحوًا من هذا (128)، ومما يعضد هذا قول موسى -عليه السلام- للإسرائيلي: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ) (القصص:18)، قال القرطبي: "أي لأنك تشاد من لا تطيقه" انتهى.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث نزول عيسى عليه السلام- عن يأجوج ومأجوج: (فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لا يَدَانِ لأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ) (رواه مسلم).

فالواجب عند العجز عن القتال تحريز عباد الله المؤمنين وحفظهم لا مصادمتهم لعدو يصطلمهم ويهلكهم بغير مصلحة، فالجهاد لا يعود على مقصوده، وهو إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه وأهله بالنقض بقتل المسلمين وسبي نسائهم مِن غير مصلحة للمسلمين.

وأما قول مَن يقول: إنه ليس بعد الكفر مفسدة فهو أعظم المفاسد.

قلنا: نعم هو أعظم المفاسد مِن جهة النوع، أما من جهة الكم فالزيادة عليه بالصد عن سبيل الله وأذية المسلمين مع استمرار الكفر وبقائه أعظم مفسدة وضررًا، قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ) (النحل:88)، فكافر يؤذي المسلمين أشد خطرًا مِن كافر لا يؤذيهم.

وإذا كان العلماء قد نصوا على جواز دفع المسلمين مالاً في مصالحة الكفار "كما قال ابن قدامة -رحمه الله-"، وذلك مع كونه صغارًا فهو لدفع صغار أعظم منه؛ فكيف يُمنع في الظروف الحالية جواز معاهدة الكفار في بلاد المسلمين بلا جزية عقدًا مطلقًا، ولم نقل عهدًا مؤبدًا؟!

فأدعو الله أن يراجع الشيخ "محمد شاكر الشريف" -حفظه الله- الكلام مدققًا فيه، ثم يكون التعليق بناءً على الكلام لا على ما فهمه.