الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 08 يونيو 2026 - 22 ذو الحجة 1447هـ

هل تسمعني.. ؟! (2)

كتبه/ أشرف فراج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فليسأل كلٌّ مِنَّا نفسه: مَن الذي سمع فعصى؟ إنه أفجَر مخلوق عرفته البشرية منذ أن خلقها الله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (البقرة: 34)، فهل تعتقد أن إبليس -لعنه الله- لم يسمع أمر ربه؟! بل سمع فأبى أن يكون من الساجدين.

أتعلم مَن الذي سمع ولم يطع؟!

إنهم بنو إسرائيل، واسمع كيف خلَّد الله معصيتهم له بقوله: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: 93)؛ لقد كانوا يسمعون نداء الرحمن، ويدَّعون الإيمان به، ولكن بئس السماع سماع لا يحيي في القلب طاعة، ولا يُثمر في النفس استجابة.

أقوام عاشوا على هذه الأرض، فأرسل الله لها من يرشدها إليه، فأبت إلا الطغيان والفساد، ولم ترضَ إلا بالرذيلة والفاحشة لباسًا، ولم ترغب إلا في الكفر وصفًا وسمتًا، فألبسهم الله لباسَ الخوف والجوع، وقلَّب عليهم الديار رأسًا على عقب، وأغرقهم، وأنزل عليهم بأسَه الذي لا يُردُّ عن القوم المجرمين.

أيحبُّ أحدنا إذا سمع الأمر بالخير والنهي عن الشر أن يكون كأمثال ذلك أو هؤلاء؟!

الجواب بلا ريب: لا، ونِعم الجواب، ولكن ما معنى أن ينفر صاحب المعصية من النصيحة بتركها، وصاحب الفجور من الأمر بتركه؟!

ما معنى أن نتبرم من نصيحة الناصحين وإرشاد المرشدين؟! فنواجههم بالحجج، ونخاصمهم بالجدل!

ألم يأنِ لألسنتنا حين يأتي الأمر من الله ورسوله أن تنطق فتقول: سمعنا وأطعنا؟! لقد امتثلتها الملائكة المقربون فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ونطقت بها مخلوقات عظام ضخام؛ إنها السماوات والأرض حينما قال لها الله -جل في علاه-: (ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت: 11).

وتفوَّه بها أكرم خلق الله عليه كما قال الله حكاية عنهم: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285).

وصدَّق بها أصحاب محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- حينما جاءهم النهي عن شرب الخمر التي كان لها الولع الشديد في نفوسهم، يتحفون بها مجالسهم، ويتناشدون في وصفها الأشعار، ويعاقرونها كلما اشتهوا، وما إن نزل قوله -تعالى-: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91) حتى دلق أحدهم إناءً قد وصل إلى فمه، لم يرضَ أن يؤجِّل استجابته لربه ولو بشربة واحدة، وقالوا بنفوس طيِّعة راضية: انتهينا ربنا انتهينا، وكسروا القلال وأراقوها في طرق المدينة.

أما تنامى إلى أسماعنا قصة ذلك الصحابي البطل الذي زُفَّ إلى زوجته في ليلة عرسه وعرسها، لكنه حينما سمع نداء الجهاد في سبيل الله، نهض بكل عزَّة وكرامة ليستجيب لنداء ربه، فتوجه إلى أرض المعركة ليغرس قدميه فيها، إما أن يُزفَّ بعدها إلى زوجته منتصرًا مظفرًا، أو يزفَّ إلى الحور العين في جنَّة ربه، وشاء الله -تعالى- أن يختاره شهيدًا، أما جنابته من عرسه فقد تكفَّل الله -تعالى- أن تغسِّلَه الملائكة الكرام، حتى رُئي أثر الغسل بعد استشهاده، وسُمِّي بعدها: "غسيل الملائكة"؛ ذاك حنظلة بن عامر -رضي الله عنه-، كل هذا الفضل وهذا التكريم بسبب استجابته لله ورسوله.

فهل فكَّرنا في أن نترجم سماعنا للخير والموعظة إلى عمل جاد واستقامة دائمة على دين الله -عز وجل-؟!


مواد ذات صلة