الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 8 جمادى الأولى 1448هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (278) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (18)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل-: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (العنكبوت: 16- 35).

الفائدة التاسعة عشرة:

دَلَّ قوله -تعالى-: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) على قدرة الله التامة وعجز البشر التام، فإن الله إذا أرادهم بعقوبة لا يملكون دَفْعَها ولا تحويلها: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا) (الإسراء: 56)؛ سواء كانوا في الأرض أو في السماء، وهذا يدل على إمكانية صعود الإنسان للسماء، وقد حدث ذلك بالطائرات الحديثة وسفن الفضاء المأهولة، ولم يكن ذلك يخطر ببال أحدٍ ممَّن تقدَّم.

ومع صعود الإنسان في السماء أو بقائه في الأرض؛ فإنه لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ولا لغيره بالأولى؛ فالأرض تتزلزل من تحت أقدام البشر لا يملكون تسكينها ولا استقرارها، والبحار إذا أراد الله -عز وجل- وأمرها خرجت عليهم في موجاتٍ هائلةٍ كما حَدَث مرات فيما يعرف بالتسونامي؛ فدمَّرت مدنهم وقراهم وما على أرضهم وأغرقتهم، والكويكبات والحجارة والمذنبات في السماء لو اصطدمت بالأرض دمرتها، ولا يوجد أحدٌ من خلق الله يملك توجيهها بعيدًا أو قريبًا إلا بأمره -سبحانه وتعالى-.

وقد أسقط الله كسفًا من السماء على "مَدْين" فدمَّرهم، وأمطر على قوم لوط حجارة من السماء فأهلكتهم؛ بل الإنسان من داخله ليس يعجز الله -عز وجل-؛ فهو لا يملك دق قلبه، ولا عمل أجهزة جسمه؛ لا الجهاز الهضمي ولا البولي ولا العصبي ولا الدوري، فمن الولادة إلى لحظة وفاته وملايين الملايين من العمليات الكيميائية تتم داخل جسده بغير إرادة منه، بل بغير معرفة شيء عنها، فإذا مرض وقاس الأطباء والمحللون بعض هذه المواد في دمه كالسكر أو البولينا، أو عناصر الدم، وغيره، تبيَّن وجود خلل في بعضها.

نحن لا نملك شيئًا من أنفسنا نحن فقراء إلى الله فقرًا ذاتيًّا تامًّا، وهو الغني غنًى ذاتيًّا تامًّا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ . وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) (فاطر: 15- 17)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ . إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) (الأنعام: 133- 134).

فحياتنا وموتنا نحن وآباؤنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا إلى أبينا آدم -عليه السلام- ليست بيد أحدٍ إلا الله وحده لا شريك له، فتعالى الله عما يشركون، ليس لنا ولي من دونه كما قال -تعالى-: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) (التوبة: 116)، فليس من دونه ولي يتولَّى أمرنا ويدبِّر شأننا، ويملك رزقنا وحياتنا وموتنا، وليس لنا نصير من دونه إن أرادنا بسوء، نعوذ بالله من كل شر، ومن كل شيء هو -عز وجل- آخذ بناصيته؛ كما كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عند النوم: (اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْأَرْضِ، وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ -وفي رواية: (أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا)- اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اللَّهُمَّ اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ) (رواه مسلم).

فإذا استحضر العبد ذلك لم يطلب قضاء حاجة، ولا صرف ضر، ولا نصرة على عدو ولا نجاة من كرب إلا مِن الله وحده، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

هذه الأدلة القرآنية والنبوية تدلُّ على وجوب إفراد الله -عز وجل- باعتقاد المِلْك والضر والنفع، وأنه -سبحانه وتعالى- الحي القيوم، وعلى وجوب إفراده بالإلهية -سبحانه وتعالى-، فلا تُصْرَف عبادة ولا دعاء، ولا استغاثة ولا استعانة ولا استعاذة، ولا ركوع ولا سجود، ولا خوف ولا رجاء، ولا حلف ولا نذر إلا إليه -سبحانه وتعالى-، فالذين يبيحون ذلك في زماننا كأنهم لم يقرؤوا القرآن مع أنهم يحفظونه عن ظهر قلب!

فهذه المأساة الحالية التي يُفْتِي بها أقطاب التصوف بجواز سؤال الأموات قضاء الحاجات، وكشف الكربات بزعم التوسل، إن ذلك من التوسل الشركي الذي قال الله عن أصحابه: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3). وإن كان هؤلاء لم يُقِرُّوا بعبادة غير الله وإلا لكانوا كافرين بلا تردد ولا شبهة عذر، ولكن شبهة العذر أنهم قالوا: نحن لا نعبدهم، فلا بد إذًا من إقامة الحجة عليهم.

نسأل الله أن يفرِّج كربات المسلمين، وأن يصرف عنهم أهل البدع والضلال، وشر كل ذي شر هو آخذ بناصيته.

وللحديث -بقية إن شاء الله-.