كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قامت الدعوة إلى الاشتراكية العربية من أجل تحقيق أهداف عليا؛ في مقدمتها:
- زيادة الإنتاج وتحقيق التنمية والكفاية، مع العدالة في توزيع الثروات والموارد، تحت شعار: (اشتراكيتنا العربية: زيادة في الإنتاج - عدالة في التوزيع).
جاء في الباب الخامس من الميثاق: (إن الاشتراكية هي إقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع العمل وتكافؤ الفرص، مجتمع الإنتاج ومجتمع الخدمات).
- تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة بين الدول العربية.
- تحقيق حرية الوطن وحرية المواطن؛ لذا شعار المرحلة عندهم: (اشتراكية .. حرية.. وحدة).
ولكن جاءت المحصلة مخيبة للآمال بعد تجربة حُشِدَت لها كل الأسباب، وبُذِل في الأخذ بها كل ما هو متاح:
اقتصاد ضعيف:
لم تثمر التجربة الاشتراكية ما وعدت به من إنجازات في مجال الاقتصاد، فلم تتسع قاعدة الإنتاج الاتساع المأمول، ولم تتحسن نوعيته، ولم تلَبِّ متطلبات الدولة كما ينبغي، ولم تشبع حاجات المواطنين الأساسية من السلع والخدمات.
نعم امتلكت الدولة زمام الأمور، ووضعت الخطط الخمسية، وأدخلت صناعات ثقيلة، وطبقت مجانية التعليم، ووفرت صورًا من الخدمات الصحية والاجتماعية. وكل هذه التغيرات كان لا بد منها لأنها تُعَدّ أمام الشعب من مظاهر تطبيق الاشتراكية وتبني الدولة لها. ولكن: هل حصل كل مواطن على نصيبه العادل من ثروات البلاد ومواردها، وهل ذابت الفوارق بين الطبقات حقيقة بعد القضاء على الطبقة المستغلة من الإقطاعيين والرأسماليين. هل كان هناك التعليم الجيد، والرعاية الصحية الجيدة. هل تحقق للأمة الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، هل عاش أفراد الشعب في بحبوحة من العيش والأمان والحرية والطمأنينة.
الإجابات على نقيض المأمول:
تشير الأرقام الرسمية المتعلقة بالإنتاج الزراعي في مصر إلى تحقيق نسبة زيادة 28% في الفترة من 1950م إلى 1962م، ولكن النسبة انخفضت بعد قوانين يوليو 1961م الاشتراكية إلى 15% في الفترة من 1960م إلى 1965م، وهي نسبة أقل بكثير من توقعات الخطة الخمسية (1960م - 1965م).
أمَّا إنتاج القطن وهو يُعَدّ المؤشر على حقيقة الإنتاج في تلك الفترة، فكان قبل ثورة يوليو حوالي 8 ملايين قنطار، فكان في الفترة 1966م - 1968م أقل من 9 ملايين قنطار، فلم تحصل زيادة (بل ركود) على مدار سنوات الثورة وما قامت به من الإصلاح الزراعي وما أعلنت عنه من زيادة الرقعة الزراعية في مديرية التحرير والوادي الجديد والتي لم تؤت ثمارها المرجوة منها.
زيادة استيراد القمح عما قبل، بما يشير إلى عدم قدرة الإنتاج الزراعي في البلاد على تلبية حاجة البلاد من القمح، وحاجة الزيادة السكانية فيها، فضلًا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح والحبوب، وهو مطلب بالقطع يأتي في مقدمة مطالب الدولة الإستراتيجية. وقد زاد استيراد القمح من 150 طنًّا في عام 1955م إلى 300 طن في عام 1956م، ثم بلغ الارتفاع إلى ثلاثة ملايين طن في عام 1967م، أي تضاعف استيراد القمح نحو عشر مرات.
وقد بلغت قيمة الواردات الغذائية في عام 1967م - 1968م تقريبًا نفس قيمة صادرات القطن، وهو المحصول الرئيسي المُعَدّ للتصدير وقتها، أي أن بنية الإنتاج الزراعي بعد خمس عشرة سنة من الثورة لا تسمح لنا إلا بتعويض حاجاتنا الغذائية الحيوية فقط لا غير. (راجع (الصراع الطبقي في مصر من عام 1945 إلى عام 1970، لمحمود حسين - ط. دار الطليعة - بيروت).
فالقوت اليومي من الخبز لا يتوفر إنتاجه في بلد سِمَتُه أنه بلد زراعي، وأصبح يستكمل احتياجاته بالاستيراد من الخارج لتوفير قوته اليومي.
وقد بلغ الأمر مداه عند توتر العلاقات مع الولايات المتحدة التي أمسكت عن توريد القمح لمصر، فكانت أزمة قاسية تيسر حلها باللجوء إلى استيراد القمح من الاتحاد السوفيتي وإلا كانت محنة قاسية ألا يجد الشعب قوته اليومي متوفرًا. وكانت النتيجة اعتماد الدولة أكثر على روسيا في توريد السلاح والغذاء، مما زاد من النفوذ الروسي في مصر.
وقد كتبت جريدة الأهرام في 2 أغسطس 1966م تقول: (أمامنا في العام القادم موضوع القمح وكيف أننا نحتاج إلى مائة مليون دولار لاستيراد الكميات اللازمة للاستهلاك المحلي منه، وأثر دفع هذا المبلغ الضخم في مشروعات التنمية).
ثم تتساءل الجريدة وتجيب: (ما هو دور الشعب في مواجهة هذا الموضوع. إننا في حاجة إلى أن يكون تصرفنا تجاهه تصرفًا ثوريًّا، علينا أن نحدد كميات الخبز التي نأكلها، وعلينا أن نقبل على الخبز المصنوع من الذرة، وعلينا أن نكافح أبواب التبذير في استهلاك الخبز، سواء في تخزين الدقيق أو في استهلاكنا المنزلي).
أمَّا النمو الصناعي: فبدأ عمليًّا في عام 1961م، لكنه لم يلبث أن عانى من الركود في عامي 1965م - 1966م. فلم تكن ميزانية الدولة تستطيع المساهمة بجدية في تمويل المشاريع الصناعية الكبرى، وكان جهاز الدولة البيروقراطي يبتلع جانبًا كبيرًا من الميزانية، فتدنت مساهمة الدولة في المشاريع الصناعية. نعم زادت الميزانية بعد تأميم قناة السويس عام 1956م لتبلغ المساهمة 35 مليون جنيه، لكنها لم تكن كافية.
بعد قوانين يوليو 1961م كثر الحديث عن التخطيط والتنمية ومضاعفة الدخل القومي كل عشر سنوات. ووُضِعَت خطة خمسية بمعدل نمو يصل إلى 7%، مع توقع -على الورق- إيقاف الاستيراد أولًا، وزيادة الصادرات ثانيًا، خاصة للدول العربية والإفريقية (الأسواق الجديدة)، مع تقشف إداري يوفر الكثير من الصرف على الأجهزة الحكومية.
وجاءت النتائج خلاف المأمول:
- زادت النفقات العامة من 500 مليون في عام 1960م إلى 1200 مليون في عام 1966م.
- وزاد العجز العام من أقل من 70 مليونًا إلى 350 مليونًا، تدخل فيها النفقات العسكرية والأمنية.
- وتضاعف التمويل الخارجي نحو عشر مرات. وزادت المعونات الخارجية من 10 ملايين جنيه تقريبًا إلى أكثر من 100 مليون جنيه في عام 1964م.
- وزاد الاستيراد من 250 مليون جنيه فبلغ 400 مليون جنيه.
- وارتفع الدين الخارجي عشية العدوان الإسرائيلي في 5 يونيو 1967م إلى نحو 500 مليون جنيه.
- والمحصلة عند وقوع هزيمة 1967م تضخم مالي، وتحمل الجماهير زيادة في الأسعار، وتزايد في البطالة، وهزيمة عسكرية مروعة فقدت فيها مصر قواتها البرية كلها، ودُمِّرَت 80% من قواتها الجوية.
- وشهدت هذه الفترة من التجربة الاشتراكية ظاهرة لم يعرفها المصريون من قبل: ظاهرة السفر للعمل في الخارج (في الدول العربية) أو الهجرة (إلى الدول الأوروبية).
وقد كشفت التحقيقات والمحاكمات التي طالت كبارًا في الدولة بعد هزيمة يونيو 1967م عن كثير من الفساد واستغلال النفوذ باسم الثورية والاشتراكية. فساد أبطاله ضباط كبار ومراكز قوى في الطبقة الحاكمة، بما لا يقل عن الفساد الذي كان قبل ثورة يوليو يقع باسم الديمقراطية والحرية الاقتصادية.
أمَّا الشركات والمؤسسات التي طالها التأميم فقد نُقِلَت ملكيتها إلى الدولة (خزينة الدولة) لتتولى أمرها الفئة القائمة على الدولة، تتصرف فيها وفق ما تراه، ويطولها من فساد التصرف فيها ما يطول غيرها في ظل استبداد الفئة الحاكمة بشؤون البلاد.
ضياع الحريات:
كان من أهداف الثوريين الاشتراكيين تحقيق الحرية:
- حرية الوطن بالتخلص من كل نفوذ وسيطرة أجنبية.
- حرية المواطن ليعيش في وطنه معززًا مكرمًا آمنًا على نفسه ومستقبله.
- وأيضًا تحرير فلسطين التي اغتصبها اليهود الصهاينة.
أمَّا حرية الوطن من النفوذ الأجنبي، فقد أضاعت هزيمة يونيو 1967م أرض سيناء كاملة، كما ضاعت القدس والجولان والضفة الغربية. ولم يقدِّم الاشتراكيون لتحرير أرض فلسطين المغتصبة شيئًا يُذْكَر لهم خلال سنوات حكمهم، بل انتهت تجربتهم بتوريط الأمة في هزيمة لم ولن تعرف الأمة مثيلًا لها في تاريخها الحديث.
وأخرج الثوار الاشتراكيون البلاد من التبعية والارتباط بالغرب واستبدلوها بالتبعية والارتباط بالشرق، إذ صار بعد سنوات قليلة من الثورة للسوفيت تواجد يتزايد من خلال تزويد الجيش المصري بالسلاح، والتواجد الكبير لخبرائه ومستشاريه.
بدأ التدخل الروسي في مصر بصفقة الأسلحة من الكتلة الشرقية في عام 1955م. وازدادت الحاجة إلى السلاح الروسي بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م. ثم ازدادت الحاجة لهذا السلاح بعد المشاركة لخمس سنوات في الحرب الأهلية في اليمن.
وعندما تدهورت العلاقات المصرية الأمريكية وترتب على ذلك إيقاف شحن القمح الأمريكي لمصر مما سبب نقصًا في الغذاء كان اللجوء من جديد لروسيا لتعويض هذا النقص في القمح وتقديم المعونة الاقتصادية ليزداد النفوذ الروسي.
وبعد هزيمة 1967م كان اللجوء أكثر وأكثر إلى روسيا لإعادة تسليح الجيش، مع قبول شرط موسكو بتدريب ومراقبة الجنود المصريين. وصار للبحرية الروسية تسهيلات ومراكز لوجستية في الإسكندرية وأخرى في بور سعيد، والآلاف من الخبراء والمستشارين الروس في مجالات مختلفة في البلاد.
ولا شك أنه لن يكون هناك تحرر سياسي للبلاد ما دام هناك اعتماد تام على أحد المعسكرين الغربي أو الشرقي. وإنما الذي حدث هو الانتقال من دائرة نفوذ الغرب إلى دائرة نفوذ الشرق، وكلاهما نفوذ أجنبي كان يجب التحرر منه اقتصاديًّا وسياسيًّا.
وبالنسبة لحرية المواطن في وطنه: فقد تعرض المواطن من قِبَل أجهزة الأمن والمخابرات العامة لامتهان كرامته وفَقْد للأمان والطمأنينة، في ظل دولة بوليسية تمثلت في أبشع وأفظع وسائل القهر والتعذيب خاصة في سنة 1954م، وفي سنة 1965م. وهي الانتهاكات التي اعترف بها النظام الحاكم بعد هزيمة يونيو 1967م، وأقر بأنه كان هناك انحراف في جهاز المخابرات، فكان الجهاز دولة داخل دولة.
وهذا ما قاله عبد الناصر بنفسه في خطاب له في 23 نوفمبر 1967م، حيث قال: (شيء آخر في مجال التغيير، حساب الانحرافات في جهاز المخابرات الذي تكشف. حصل انحرافات في جهاز المخابرات).
وأضاف أيضًا: (أنا باقول لكم بصراحة إن أنا كنت أرى بعض مظاهر هذه الانحرافات قبل 5 يونيو، ولكني لم أكن أتصور مداه. حاولت بكل ما أستطيع. نجحت أحيانًا. ولم أر الحقيقة كلها في أحيان أخرى. وأنا فعلًا كنت مشفق على البلد من تكتلات القوى ومراكز القوى).
وفي هذا المعنى كتب محمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام في 20 أكتوبر 1967م يقول: (إن بعض أجهزة المخابرات العربية شغلت نفسها بالداخل طلبًا للسلطة، ولم تُعْطِ العناية الكافية للناحية الأخرى من خط النار).
وأضاف: (ثم إن بعض أجهزة المخابرات العربية في محاولاتها لاستعمال بعض وسائل العدو -وبينها المال والجنس مثلًا- خلطت كما يبدو بين الوسائل والغايات، أي أنها توقفت عند الوسائل في عدد من المرات وغرقت فيها، ولم تستطع مقاومة الغواية والإغراء، وتجاوزها إلى تحقيق الهدف). ولا يخفى ما في هذا الكلام الناعم من تغليف لفساد دولة المخابرات ذات الإمكانات الضخمة وقتها، غرقها في الإغراء بالمال والابتزاز بالجنس. وهو ما انكشف أمره في التحقيقات مع رؤساء تلك الأجهزة عند محاكمتهم بعد ذلك، ونشرت أحداثًا منها وسائل الإعلام المقروءة في كتب ومجلات، وعرضت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة نماذج منها من خلال أفلام سينمائية ومسلسلات.
وعندما قُدِّم رؤساء هذه الأجهزة الأمنية والمخابرات للمحاكمة صدرت ضدهم أحكام بالسجن. وهو ما دعا أنور السادات بعد ذلك إلى القيام أيضًا بما عُرِف بثورة التصحيح في مايو 1971م لتصحيح تلك الأوضاع المشينة.
الفشل في تحقيق الوحدة العربية:
ما أجمل شعار الوحدة العربية، وما أعظم هذا الهدف لأمة تمتد من المحيط الأطلنطي إلى الخليج العربي تجمعها وحدة الدين واللغة والتاريخ المشترك والآمال والأماني والأهداف الواحدة، وهي أمور كافية وكفيلة بتحقيق الوحدة إن صلحت النفوس والنوايا وعظمت الهمم. ولكن كبار الدعاة إلى هذه الوحدة بالشعارات والهتافات هم الذين أفسدوا أمرها، وقفلوا أبوابها، وأوجدوا العقبات في الطريق إليها. فباءت الأمة في عهدهم نقيض ما كانت تحلم به:
تمزيق وحدة وادي النيل:
كان ارتباط السودان بمصر وارتباط مصر بالسودان هدفًا مشتركًا لكل القوى الوطنية في البلدين لعشرات السنين، لما بين البلدين من الجوار ووحدة الدين واللغة والتاريخ وروابط الأخوة وتشابه نمط المعيشة. ولكن الثورة بما انتهجته خلال سنوات حكمها الأولى لمصر مع المخالفين لها لم تنجح في الاحتفاظ بثقة السودانيين، حتى إن الحزب الوطني الاتحادي صاحب الأغلبية في السودان، والذي كان ينادي بوحدة وادي النيل نفض يديه من تلك الوحدة، والسبب هو الخوف مما أظهرته القيادة المصرية المنفردة بالحكم والسلطة من تطلعاتها وأساليبها، لا مع خصومها فحسب بل ومع بقية القيادات منهم، كما وقع مع محمد نجيب ورشاد مهنا. وعليه آثر السودانيون العيش في حدود إقليمهم مستقلين منفصلين عن مصر على وحدة معها محفوفة بالمخاطر، فانفصل السودان عن مصر عام 1956م.
فشل الوحدة مع سوريا:
كانت الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958م أملًا أن تكون نواة لوحدة عربية شاملة لكل الدول العربية، لذا استقبلها كثير من العرب بالترحاب والتأييد، ولكن الفرحة لم تتم، إذ أصدر ناصر قرارات التأميم الثورية والمصادرات في 1961م مما جعل القيادات السورية تتحول من الإقبال على الوحدة إلى السعي إلى الانفصال، فكان الانفصال.
فشل محاولات الوحدة بين العراق وسوريا:
لم يستطع اليساريون الثوريون من العرب الذين ينتمون إلى حزب عقائدي واحد أن يتحدوا فيما بينهم بعد وثوبهم على الحكم في بلدين متجاورين، رغم وحدة الشعارات واللافتات، والتي أثبتت عجزها أمام تباين المطامع والتطلعات، واختلاف الارتباطات والولاءات. فرغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب عقائدي اشتراكي ثوري قومي وحدوي واحد، هو (حزب البعث العربي الاشتراكي) فقد فشلا في التقارب والتضامن فيما بينهما، فضلًا عن إقامة وحدة أو اتحاد. هذا رغم وحدة الحزب والهدف والدين واللغة ووشائج القربى وروابط الجوار والتاريخ المشترك والآمال، وهي كلها كافية لربط الشعبين غاية الترابط، ولكن العقبة كانت في اختلاف الارتباطات والولاءات والمطامع لدى الحكام الثوريين، والتي هي أقوى من كل تلك الروابط التي تجمع البلدين والشعبين.
طعن الزعماء الثوريين في بعضهم بعضًا:
لم يتوانَ زعماء العرب وحكامهم الثوريون عن الطعن في بعضهم بعضًا، مع زعم وحدة الهدف والغاية، فكان اتهام بعضهم بعضًا في العراق وسوريا ومصر بالخيانة والعمالة والانتهازية والفاشية... إلخ. أمَّا من خالفهم من النظم العربية غير الثورية الأخرى (كالنظم العربية الملكية) فكان حظهم الاتهام لهم بالرجعية والتخلف والتخاذل والضعف والخنوع والخضوع والعمالة للإمبريالية الغربية... إلخ.
كما دخلت مصر في مشاحنات ومواجهات مع المملكة العربية السعودية خلال حرب اليمن لسنوات.
لم تكتفِ الدول العربية خلال الستينيات بفشلها في تحرير فلسطين، بل أضافت لفشلها الفشل في منع إسرائيل من تحويل مسار نهر الأردن، رغم أن هذه القضية كانت وراء دعوة عبد الناصر إلى مؤتمر القمة العربي الأول في منتصف الستينيات.
وقد انعكست الخلافات الثورية بين زعماء العرب فيما بينهم على فصائل المقاومة الفلسطينية، إذ جعلت منها حقلًا للتجارب الدعائية والمزايدات الثورية، في وقت هي أحوج ما تكون إلى وحدة الصف في مواجهة العدو الذي اغتصب أرض فلسطين. وبعد أن كانت حركة (فتح) هي المنفردة بالعمل صارت في الساحة بضع عشرة حركة: هذه تتبع البعث العراقي، وتلك تتبع البعث الثوري، وأخرى تابعة لجورج حبش، وأخرى للحواتمة، وهذه شعبية، وتلك ديمقراطية، إلخ.
وبلغ الأمر منتهاه بالاقتتال بين العرب بعضهم بعضًا على أرض اليمن، وتنامي الصراع والنزاع بين مصر والمملكة السعودية، والذي امتد طوال سنوات الستينيات حتى استيقظ الجميع على هزيمة يونيو 1967م.
مما مضى يتضح بجلاء تعذر تحقيق هذه الأنظمة التي تتمسح بالقومية للوحدة العربية، فالوحدة تتطلب على الأقل:
- وحدة الهدف والمنهج لدى أطراف الوحدة والإخلاص لذلك.
- الشعور القوي الصادق بوجوب الوحدة وضرورتها.
- توفر الثقة المتبادلة وحسن الظن بين الأطراف المقبلة على تلك الوحدة.
وهؤلاء القوميون الاشتراكيون اليساريون مختلفون في مناهجهم وطرائقهم، وفي سياساتهم الخارجية، بل يتوجس كل منهم من الآخر ولا يثق فيه، ويطمع كل منهم في الزعامة والسلطة لنفسه، ويتهمون بعضهم بعضًا بالخيانة أو العمالة للإمبريالية الغربية من طرف، أو للإمبريالية الشرقية من طرف آخر؛ لذا يصنفون بعضهم بعضًا: إما رجعيون أو ثوريون، يمينيون أو يساريون، محافظون أو تحرريون، إلخ. وبينما الدول في العالم على تناقضاتها تتقارب حكوماتها وشعوبها وتجتمع، كان هؤلاء العرب على ما بينهم من روابط قوية تتباعد زعاماتهم وحكوماتهم، وتباعد بين شعوبهم.
هزيمة يونيو 1967م:
كانت هزيمة يونيو أسوأ نهاية ممكنة للتجربة الاشتراكية في مصر، إذ إن الضربة الإسرائيلية التي ظاهرها أنها فاجأت الجيش المصري كانت في حقيقة الأمر متوقعة في الكيفية التي جاءت بها وفي التوقيت الذي وقعت فيه. فمن خلال المحاكمات التي جرت والتحقيقات انكشف الكثير من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها القيادات الثورية ورجالها. فالهزيمة كانت نتيجة متوقعة في ضوء ما كان عليه قادة الجيش والبلاد.
وقد أعلن عبد الناصر بنفسه في خطاب تنحيه عن الحكم في 9 يونيو 1967م أنه مسؤول عما حل بمصر من عار وهزيمة؛ لذا كان قراره يومها بالتخلي عن المسؤولية.
وهذا ما جعل الكاتب الصحفي (حسنين هيكل) وهو المحامي والمدافع الأول عن الثورة المصرية يكتب في 28 يونيو 1968م معترفًا بعد كل ما قيل في التبرير لهزيمة يونيو 1967م: (إن مفاجأة صباح 5 يونيو حطمت الطيران على الأرض في ساعات، وأغلب الظن وعلى أساس الظروف الموضوعية وحدها، فإن هذا الطيران بغير مفاجأة كان سيُضْرَب من الجو خلال أيام على أساس الأوضاع التي دخل بها المعركة).
وهكذا جاءت هزيمة يونيو 1967م بعد نكبة 1948م بتسعة عشر عامًا لتزيد القضية الفلسطينية تعقيدًا.
جاءت هزيمة 1967م لتعلن فشل الثورية اليسارية العربية كما فشلت من قبل الليبرالية اليمينية في 1948م.