كتبه/ محمد صادق
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي الدنيا يسمون بعض الأشياء: أصولًا.
العقار أصل، والمشروع أصل، والعلامة التجارية أصل، والمعرفة المتخصصة أصل؛ لأنها لا تستهلك مرة واحدة ثم تنتهي، بل تبقى وتدر ربحًا متكررًا.
والعاقل في دنياه لا يعيش على الدخل اللحظي فقط، بل يفكر فيما يبقى بعد جهده، وما يعمل له وهو غائب، لكن العجيب أن كثيرًا ممن يفهمون هذا المعنى في المال، ينسونه في الدِّين.
يبني أصلًا يدر عليه مالًا، ولا يفكر أن يبني أصلًا يدر عليه حسنات، مع أن الآخرة أولى بالبناء، وأحق بالتخطيط، وأبقى ربحًا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) (رواه مسلم).
هذا الحديث يفتح لنا باب (الأصول الأخروية): فالصدقة الجارية أصل، والعلم النافع أصل، والتربية الصالحة أصل.
يموت الإنسان، ويبقى مسجد ساهم فيه، أو مصحف أهداه، أو طالب علمه، أو ولد يدعو له، أو كتاب كتبه، أو مقطع صادق كان سببًا في هداية قلب.
في الدنيا يسمونها أصولًا تدر ربحًا، وفي الدين نسميها: أعمالًا جارية تدر حسنات.
والفرق عظيم؛ ربح الدنيا محدود، قد يذهب أو يُسْرَق أو يتركه الإنسان عند موته، أمَّا ربح الآخرة فمحفوظ عند الله، يظهر للعبد يوم يكون أحوج ما يكون إلى حسنة واحدة.
لسنا ضد بناء الدنيا، ولا ضد حسن تدبير المال، لكن الخطر أن يكون الإنسان ذكيًّا في استثمار ماله، غافلًا عن استثمار عمره؛ فاسأل نفسك: ما الأصل الذي أبنيه للآخرة؟
قد يكون درسًا، أو صدقة، أو ولدًا صالحًا، أو سلسلة نافعة، أو مشروعًا دعويًّا، أو كلمة صادقة بقي أثرها بعدك؛ فابْنِ لنفسك أصلًا يدر ربحًا عند الله؛ فإن أرباح الدنيا تنتهي عند القبر، أمَّا أرباح الآخرة فتبدأ من هناك.