الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 8 جمادى الأولى 1448هـ

احذر.. إنَّ قلبك في الميزان (4)

كتبه/ أشرف فراج

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ كَانَ يُهْدِي إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْهَدِيَّةَ فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ). كأنَّ زاهرًا أهل النبي -صلى الله عليه وسلم- في البادية، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أهل زاهر في الحضر.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يحبه، وكان دميمًا في المظهر، قال: "فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ -وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ- فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ" أي: أنه بقي شديد الالتصاق ببطن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين عرفه. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟) يعني: يمازحه فيقول: مَن يشتري هذا العبد؟ فَقَالَ زَاهِرٌ: تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا! لأنه دميم.

فاسمع ماذا قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَلْ أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ غَالٍ!) (رواه أحمد، وصححه الألباني)؛ هذا هو الحق الذي تبحث عنه، أن تكون عند الله غاليًا، مهما كنت عند أهل الأرض كاسدًا فلا قيمة لقيمتك عندهم إن لم تكن عند الله غاليًا.

مثل هذه النصوص تحرِّك عقلك وتقول له: توقف عن طلب المكانة عند الناس، توقف عن هذا الجُرم العظيم في حقِّ نفسك، ابحث عن مكانك عند الله، ثم لا تسئ الظن بالله، إذا رفعك الله عنده فلا بد أن يلبسك لباس القبول ولو بعد حين -لمَّا يختبر صدق إرادتك في أن تكون عنده ثقيلًا-.

ما هو الهم الذي اعتصرنا؟

للأسف هموم الكثير منا: ماذا يقول الناس؟ ما موقف الناس؟ ما رأي الناس؟ -وهذا الكلام سيأتينا التوازن فيه-.

وفي قصة جُلَيْبِيب -رضي الله عنه- أنه كَان فِي وَجْهِهِ دَمَامَةٌ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّزْوِيجَ، فَقَالَ: إِذًا تَجِدُنِي كَاسِدًا -أي: لا أحد سيزوجني- فَقَالَ: (غَيْرَ أَنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

ولما خرج في الغزو مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانتصر المسلمون، قال -عليه الصلاة والسلام-: (هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟) قَالُوا: نَفْقِدُ فُلَانًا وَنَفْقِدُ فُلَانًا. قَالَ: (انْظُرُوا هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟) قَالُوا: لَا. قَالَ: (لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا). قَالَ: فَاطْلُبُوهُ فِي الْقَتْلَى. قَالَ: فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَا هُوَ ذَا إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ ثُمَّ قَتَلُوهُ -يعني: بعدما قتلهم أثخنوه بالجراح ثم مات بسبب جروحه!-، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَامَ عَلَيْهِ فَقَالَ: (قَتَلَ سَبْعَةً وَقَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ) -مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا-. ثُمَّ وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى سَاعِدَيْهِ وَحُفِرَ لَهُ، مَا لَهُ سَرِيرٌ إِلَّا سَاعِدَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. يعني: حمله ووضعه على ساعديه والصحابة يحفرون له قبرًا، ولم يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأرض إلى أن حُفر له القبر-. ثُمَّ وَضَعَهُ فِي قَبْرِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ غَسَّلَهُ. (رواه مسلم). لم يغسلوه؛ لأنه من الشهداء -رضي الله عنه-.

فانظر إلى وزن جليبيب -رضي الله عنه- عند الناس ووزنه عند الله وعند رسوله -صلى الله عليه وسلم-! لدرجة أنه لم يجعله وهو ميت متوسدًا الأرض، إنما وضعه على ساعديه إلى أن حُفر القبر، والمسألة ليست سهلة فقد يأخذ الحفر ساعة، وكل هذا الوقت قضاه جليبيب -رضي الله عنه- على ساعدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ميت؛ فهو -صلى الله عليه وسلم- يعلم وزنه عند الله.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.