الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 8 جمادى الأولى 1448هـ

الهشاشة النفسية.. حين يتحول الألم إلى يأس (2)

(وَكَانَ اللَّهُ بِكُمْ رَحِيمًا)

كتبه/ محمد بكر شديد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

من أسباب الهشاشة النفسية في زماننا:

- أن كثيرًا من أبنائنا نشؤوا في بيئة تعودوا فيها على سرعة الحصول على الأشياء (جيل يريد كل شيء فورًا)؛ كل شيء تقريبًا أصبح بضغطة زر: المعلومة، والطعام، والتواصل، والترفيه، والشراء، لكن الحياة الحقيقية لا تعمل بهذه الطريقة.

النجاح يحتاج إلى وقت، والعلم يحتاج إلى صبر، وتربية الأبناء تحتاج إلى سنوات، وإصلاح النفس يحتاج إلى مجاهدة، والرزق قد يتأخر، والأمنيات قد لا تتحقق بالطريقة التي نريدها.

وحين يتعود الإنسان أن يحصل على كل شيء بسرعة، قد يصبح أقل قدرة على تحمل التأخير والرفض والفشل؛ ولهذا فإن من أعظم ما نحتاج إليه اليوم أن نربي أبناءنا على الصبر، والرضا، وتحمل المسؤولية، والقدرة على مواجهة الإخفاق، لا أن نحاول إزالة كل عقبة من طريقهم، فليس من الرحمة أن نمنع عن أبنائنا كل ألم؛ لأن الحياة لن تفعل ذلك؛ الرحمة الحقيقية أن نعلمهم كيف يتعاملون مع الألم عندما يأتي.

خطوات عملية للأسرة لبناء أبناء متماسكين:

وحتى لا يظل هذا الكلام في إطار التوجيه النظري، فإن على الأسرة أن تمارس خطوات إجرائية محددة لتنشئة أبناء يمتلكون حصانة نفسية؛ منها:

- تدريب الأبناء على تحمل المسؤولية: إسناد مهام وواجبات منزلية يومية تتناسب مع أعمارهم ليتعلموا أن الحقوق تقابلها واجبات.

- تأجيل الرغبات وعدم التلبية الفورية: تعويد الطفل على أنه ليس كل ما يطلبه يُجَاب في التو واللحظة، ليتدرب على ضبط النفس والصبر.

- تعليمهم إدارة المشاعر عند الخسارة: إتاحة المساحة لهم للتعبير عن حزنهم عند الفشل دون سخرية، مع تعليمهم كيف يحللون سبب الإخفاق ويحاولون مرة أخرى.

- كف أيدي الآباء عن الحماية المفرطة: ترك الأبناء يخوضون تجاربهم ويحلون مشكلاتهم البسيطة بأنفسهم دون تدخل سريع يلغي شخصيتهم.

حين يصبح الفشل عند الإنسان حكمًا على نفسه:

ومن أخطر صور الهشاشة النفسية أن يتحول الفشل في تجربة إلى حكم على الإنسان كله.

يفشل الطالب في اختبار فيقول: (أنا فاشل).

يفشل الشاب في وظيفة فيقول: (لن أنجح أبدًا).

تنتهي علاقة فيقول: (لن يحبني أحد).

يُرْفَض في موقف فيعتقد أنه بلا قيمة.

وهذا خلل في التفكير قبل أن يكون مجرد مشكلة في المشاعر؛ لأن الإنسان يختزل نفسه كلها في موقف واحد، والقرآن يعلمنا أن الإنسان أكبر من لحظة الفشل، وأن أبواب الخير لا تنحصر في طريق واحد، وأن ما يكرهه الإنسان قد يكون وراءه خير لا يراه؛ قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216).

إنها تربية على ألا يجعل الإنسان نفسه أسيرًا للحظة التي يعيشها، وألا يظن أن رؤيته المحدودة للواقع هي الحقيقة الكاملة.

ومن هنا يبدأ اليأس:

اليأس لا يأتي غالبًا فجأة، وإنما قد تسبقه سلسلة من المشاعر والأفكار: عزلة، ثم إحباط، ثم شعور بالعجز، ثم فقدان للأمل، ثم اعتقاد بأن لا شيء يمكن أن يتغير.

وهنا يجب أن نتعامل مع الأمر بجدية ورحمة، فالإنسان الذي يتحدث باستمرار عن الموت أو عدم الرغبة في الحياة، أو يلمح إلى إيذاء نفسه، أو يودع من حوله بطريقة غير معتادة، لا يجوز أن نواجهه بالسخرية أو الاتهام أو الاستهانة، بل نقترب منه، ونستمع إليه، ونبقى إلى جواره، ونطلب المساعدة من المختصين عند الحاجة. والاستعانة بالطبيب النفسي أو المختص ليست طعنًا في التوكل، كما أن الذهاب إلى طبيب القلب ليس طعنًا في الإيمان بالقضاء والقدر؛ فالتوكل ليس ترك الأسباب، وإنما هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب التي شرعها وأذن بها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.