نصائح وضوابط إصلاحية (84)
كتبه/ سامح بسيوني
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فما زلنا مع توجيهات سورة المدثر للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكلِّ مصلح مِن بعده يسير على دربه:
التوجيه الخامس: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (المدثر: 6):
وهذا توجيه بأعظم صور السلوك المجتمعي؛ توجيه إلى إنكار الذات، وعدم المنِّ بما يقدِّم الإنسان من جهد، أو استكثاره واستعظامه، فحمل هذه الأمانة وما يتطلبه ذلك من جهد وعناء لمِن الضخامة بمكان، بحيث لا تحتمله النفوس إلا حين تنساه، بل حين لا تستشعره من الأصل كونها مستغرقة في العمل لرضا الله، شاعرة بأن كلَّ ما تقدمه هو من فضل عطاياه، بل هو اختيار واصطفاء لها، وتكريم يستحق الشكر منها لله، لا المن والاستكثار على الناس.
فلا يجب أن يمن أحدنا على الناس بما أسدى إليهم من معروف؛ سواء كان دينيًّا أو دنيويًّا؛ فيستكثر بذلك المعروف ويرى لنفسه الفضل عليهم، بل إن الإحسان لا بد أن يكون متتابعًا مهما كلفنا ذلك، مع نسيان هذا الإحسان في جنب الله سبحانه و-تعالى-، وعدم انتظار العوض على ذلك سواء كان ذلك ماديًّا أو معنويًّا، فطلب الأجر والعوض لا يستحق إلا أن يكون من الله عز وجل، وكفى به -سبحانه وتعالى-، فالله يحب المحسنين كما قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، ومَن أحبه الله فمَن عليه؟!
ولعل لنا في قول بشير بن سعد الخزرجي لإخوانه الأنصار في سقيفة بني ساعدة ما يرطِّب القلوب، ويدفع المن والاستكثار بالعمل؛ إذ قال لهم: "ألا والله لئن كنا أولي فضيلة وجهاد وسابقة في هذا الدِّين، ما أردنا به إلا رضاء ربنا وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي أن نستطيل بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضًا، فإن الله ولي المِنَّة علينا بذلك" (ينظر: الخلافة والخلفاء للمستشار سالم البهنساوي).
ثم كان التوجيه الأخير: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ):
وهي الوصية التي تتكرَّر مع كل تكليف؛ لأن الصبر هو هذا الزاد الأصيل في هذه المهمة الشاقة، وهو مفتاح النصر في هذه المدافعة المطلوبة مع شهوات النفوس وأهواء القلوب، ومع الحاقدين والماكرين، وهي معركة طويلة عنيفة لا زاد لها إلا الصبر الذي يقصد فيه وجه الله، ويتجه به إليه احتسابًا فيما عنده وحده؛ لأنه كما قيل: "من عرف قدر مطلوبه، هان عليه بذل مجهوده".
وللحديث بقية -إن شاء الله-.