الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 09 أبريل 2026 - 21 شوال 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (13) اسم الله (الوارث) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التَّعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتَّعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

الوقفة الأولى: مع مواضع ورود اسم الله "الْوَارِث" في القرآن:

- ورد اسم الله "الوارث" في ثلاث آيات في كتاب الله بصيغة الاسم: في قوله -تعالى-: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (الحجر: 23). قال أبو السعود -رحمه الله- في تفسيره: "أي: نحن الباقون بعد فناء الخلق قاطبة، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك".

وقول الله -تعالى-: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (الأنبياء: 89). قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره: "أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه أفضل من بقي حيًّا".

وقوله -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58). قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "ولم يكن لما خربنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله الذي له ميراث السماوات والأرض".

- وورد في موضع واحد بصيغة الفعل: في قوله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم: 40)؛ قال ابن جرير -رحمه الله-: "بأن نُميتَ جميعَهم فلا يبقى حيّ سوانا إذا جاء ذلك الأجل".

الوقفة الثانية: من آثار التعبد باسم الله "الْوَارِث":

1- اسم الله الوارث يبين عظمة الرَّبِّ -سبحانه- وأنه -عز وجل- مالك الملك ووارثه والمتصرف فيه، وأن كل شيء دونه إلى فناء، إلى جانب أنه يكشف حقيقة التَّملُّك عند الخلائق: قال -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26- 27)، وقال -سبحانه-: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (القصص: 88)(1).

2- اليقين بأن الله -تعالى- هو "المالك الحقيقي" الذي تعود إليه الممالك، وليس أهل القرى الظالمة كما ظنوا، فلم يقوموا بحقِّ النِّعمة، ولم يشكروا ربَّهم الذي وهبهم إياها: قال -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58). وقال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم: 40).

3- اليقين بأنَّ الله -تعالى- هو الوارِث، الذي يُورث الأرض مَن يشاء من عباده الذين أدوا ما عليهم من واجبات العبودية تجاه ربهم: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105).

وقال -تعالى- عن نبيِّ الله موسى -عليه السلام- وهو يخاطب قومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128). وقال -تعالى- عن المؤمنين بعد هلاك الفراعنة الظالمين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5). وقال -تعالى- لأصحاب محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب: 27).

4- التَّعبُّد لله باسمه "الوارث" يدفع المؤمنين إلى النَّفقة في سبيله؛ لأنهم علموا أن المالك هو الله، وأنهم مستخلفون فقط فيما عندهم من الأموال: قال -تعالى-: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: ‌مَا ‌أَكَلَ ‌فَأَفْنَى، ‌أَوْ ‌لَبِسَ ‌فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ) (رواه مسلم).

5- التَّعبُّد لله باسمه "الوارث" يُذكر المؤمنين دائمًا أنَّ الله -تعالى- لما جعل الجنة ثوابًا، فهو كذلك يُورثهم إيَّاها، فلا يزول ملكهم لها، فتزداد سعادتهم: قال -تعالى-: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) (مريم: 63)، وقال -تعالى- عن المؤمنين بعد ما ذكر بعضًا من صفاتهم: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون: 10- 11). وقال -تعالى- في وصف سعادتهم بذلك: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43). وقال -تعالى-: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 33- 35).

الخاتمة:

- إذا كانت الخلائق تتعاقب على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، ويرث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، ولا يبقى إلا الوارث -سبحانه- مالك الملك: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران: 180)؛ فحري بالعاقل -فضلًا عن المؤمن- أن يزهد في متاع الدنيا الزائل، وينتظر من "الوارث" -تبارك وتعالى- ميراث الآخرة الباقي؛ قال -تعالى-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43).

فاللهم يا "وارث" متعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، واجعلنا من الوارثين الجنة يوم القيامة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ويُحكى في بعض كتب السِّيَر: "أن الخليفة العباسي هارون الرشيد -رحمه الله- (كان ملكه يمتد من الصين شرقًا إلى فرنسا غربًا) خرج يوماً للصيد، فمرَّ برجل يقال له: بهلول، قد اعتزل الناس، فقال هارون: عظني يا بهلول. قال: يا أمير المؤمنين! أين آباؤك وأجدادك من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبيك؟ قال هارون: ماتوا. قال: فأين قصورهم؟ قال: تلك قصورهم. قال: وأين قبورهم؟ قال: هذه قبورهم. فقال بهلول: تلك قصورهم، وهذه قبورهم، فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟ قال: صدقت، زدني يا بهلول. قال: أما قصورك في الدنيا فواسعة، فليت قبرك بعد الموت يتسع، فبكى هارون. وقال: زدني فقال: يا أمير المؤمنين! قد ولاك الله فلا يرى منك تقصير ولا تفريط. فزاد بكاءه وقال: زدني يا بهلول. فقال: يا أمير المؤمنين:

هـبْ أنك ملكت كنوز كـسرى          وعُمرت السنين فـكان ماذا؟

أليس القـبر غـايـــة كـل حيٍ           وتُســـأل بعده عن كـل هذا؟

قال: بلى، ثم رجع هارون ولم يخرج للصيد، وانطرح على فراشه مريضًا، ولم تمضِ عليه أيام حتى نزل به الموت".