كتبه/ زين العابدين كامل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فهذه محطة أخرى من محطات تاريخ مدينة غزة، وحلقة من حلقات الصراع الذي وقع على أرضها.
ففي عام (1336هـ - 1917م)، دارت عدة معارك على أرض غزة بين الأتراك والإنجليز، وقد انتصر الأتراك في بداية المعارك، وكان موقفهم بطوليًّا من أجل الدفاع عن غزة، إلا أن الإنجليز استطاعوا أن يسيطروا على غزة في النهاية، وقد أصاب غزة خراب كبير بسبب تلك المعارك، وقد ضربها الإنجليز من البر والبحر، حتى تهدم ما يقرب من ثلث المدينة.
تفاصيل الأحداث:
انسحب الأتراك من العريش في أوائل عام (1916م)، فاحتلها الإنجليز في صبيحة اليوم التالي. وأثناء الصراع بين الإنجليز والأتراك؛ قرَّر الإنجليز احتلال فلسطين، وكان هذا القرار قد أصدرته وزارة الحرب البريطانية بداية عام (1917م).
وبالفعل زحفوا نحو مدينة رفح، وتقدموا حتى وصلوا مدينة خان يونس فاحتلوها.
كانت هناك قوات عسكرية إنجليزية متواجدة شرقي قناة السويس، تحت قيادة الجنرال تشارلس دوبل، وقد قرر الجنرال أن يتقدم إلى الأمام، وأن يقوم باحتلال مدينة غزة.
وقامت القوات البريطانية بتمهيد الطرق المؤدية من العريش إلى غزة، ومد السكك الحديدية لنقل الجنود، وتدبير المياه اللازمة للجيش.
ولما وصلت تلك الأخبار إلى العثمانيين، جاء القائد العام أنور باشا من إسطنبول وعقد مجلسًا حربيًّا تقرر بموجبه الآتي:
1- تأسيس خط دفاع بين غزة وبئر السبع.
2- تقوية الجيش الرابع وإضافة كتائب جديدة إليه من المشاة.
وبالفعل وصلت فرقة الفرسان الثالثة، والفرقة السادسة عشرة مشاة من الجيش الخامس، ووصلت الفرقة 53 من مدينة حلب، وتم إنشاء خط دفاع بين غزة وبئر السبع.
وقد حصن الأتراك مدينة غزة تحصينًا كاملًا، من البر والبحر.
وفي 20 مارس عام (1917م) اتخذ الجنرال دوبل رفح مقرًا لقيادته، ثم أصدر أمرًا بالتحرك نحو غزة، واشترك أربعة وأربعون ألف جندي ما بين مشاة وفرسان في الزحف نحو غزة.
ودارت عدة معارك بين الطرفين؛ إلا أن القوات العثمانية كانت تتفوق على الإنجليز؛ مما أرغم القوات الإنجليزية على الانسحاب.
ضاعف الإنجليز من نشاطهم واستحضروا كتائب وأسلحة ومدافع، وأعادوا ترتيب صفوفهم، وقاموا بالهجوم الثاني في 17 إبريل عام (1917م)، وقد ضرب الأتراك أروع الأمثلة، وسجلوا بطولات عظيمة خلال تلك المعركة، وانتصروا عليهم بعد يومين من القتال الشرس بين الطرفين، وكبدوهم خسائر فادحة، تقدر بـ(2085 قتيلًا - 4359 جريحًا) بخلاف عدد الأسرى.
لم يفقد الإنجليز الأمل، ففي 1 نوفمبر عام (1917م)، زحف الإنجليز نحو مدينة غزة بقيادة اللنبي، وقاموا بإلقاء القنابل على خطوط الدفاع العثمانية، ثم تقدموا بالمدافع وتم قصف المدينة، واستمر القتال شرسًا بين الجيشين، حتى استطاع الإنجليز أن يدخلوا غزة وأن يسيطروا عليها، وكان ذلك في 7 نوفمبر عام ( 1917م).
وأثناء تلك المعارك ، ضُربت غزة من البر والبحر، وتهدم ما يقرب من ثلثها، وهجرها أغلب أهلها.
ويظهر من تصميم الإنجليز -وغيرهم من الغزاة- على أن يسيطروا على مدينة غزة، أنه خير دليل على الأهمية الإستراتيجية والإقليمية لغزة، بالنسبة لفلسطين ولمصر والشام.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.