الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 أبريل 2026 - 18 شوال 1447هـ

نصائح وضوابط إصلاحية (83)‏

كتبه/ سامح بسيوني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما زلنا مع توجيهات سورة المدثر للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكلِّ مصلح مِن بعده يسير على دربه:

التوجيه الثالث: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ):

فطهارة الثياب كناية في الاستعمال العربي عن طهارة القلب من أمراضه -من حقد أو غل أو حسد، أو غير ذلك من أمراض قلبية مهلكة-، وعن استقامة الأخلاق والعمل؛ فالعرب تقول في وصف الرَّجل بالصِّدق والوفاء: "هو طاهر الثِّياب"، وتقول لمن غدر: "إنه لمدنس الثياب".

فالطهارة المنشودة هنا -والمتمثلة في هذا النهج السلوكي التعاملي المجتمعي- ضرورية لحمل تلك الأمانة والمسئولية في وسط تلك التيارات، والأهواء، والمداخل والدروب، وما يصاحب هذا ويلابسه مِن: أدران وقاذورات، وأخلاط وشوائب، فهذه الطهارة الكاملة لازمة كي يملك المصلح استنقاذ الملوثين دون أن يتلوث، وملابسة المدنسين من غير أن يتدنس، وكي يعطي صورة حقيقية للدعوة الإصلاحية الربانية والسياسة الشرعية التي تُبنى على الصدق والأمانة والوضوح، وحفظ العهد، وصيانة الحرمات، لا السياسة النفعية التي تُبنى على الخداع والغدر، والتلون والحقد، والحسد والكذب.

بل تعد طهارة القلب وتصديق الجوارح ذلك بالعمل - والذي يمثِّل حقيقة التعامل السلوكي المجتمعي القويم - في هذا المعترك، هو مضمار السبق الحقيقي إلى الله؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ)، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، ‌نَعْرِفُهُ، ‌فَمَا ‌مَخْمُومُ ‌الْقَلْبِ؟ قَالَ: (هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ) (أخرجه ابن ماجه، وصححه الألباني).

التوجيه الرابع: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ):

والمراد بالرجز كل عمل قبيح مستقذر، وهو الرجس من الأخلاق والعادات، كما ذكر الألوسي في تفسيره: "وقيل: الرجز اسم للقبيح المستقذر. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ): كلام جامع في مكارم الأخلاق؛ كأنه قيل: اهجر الجفاء والسفه وكل شيء يقبح" (روح المعاني).

فهو بذلك توجيه إلى السلوك الإيماني القويم مِن: عفة وعفافٍ، وترك للمعاصي والذنوب، ومواطن الشبهات، والذي له أبلغ الأثر الواضح في قبول الناس لما يحمله المصلح من نصائح وتوجيهات، وصَدَق علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- حين قال - مؤسسًا لتلك القاعدة اللازمة لكل مصلح يخالِط الناس من حوله -: "إيَّاكَ وما يَسْبِقُ إلى الْقُلُوبِ إنْكَارُهُ وَإِنْ كان عِنْدَك اعْتِذَارُهُ، فَلَيْسَ كُلُّ سَامِعٍ نُكْرًا تُطِيقُ أَنْ تُسْمِعَهُ عُذْرًا" (البحر الرائق شرح كنز الدقائق).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.