الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 13 أبريل 2026 - 25 شوال 1447هـ

الصائم الفائز والصائم الخاسر

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالصائم الفائز هو: الصائم الذي اجتهد في عبادة الله -تعالى- طوال شهر رمضان؛ الذي اكتسب بفضل الله ثوابًا كبيرًا سيفرح به عندما يجده في ميزان حسناته عند لقاء ربه -تعالى- يوم القيامة، أشبه بالتاجر المجتهد الذي ربح في تجارته الربح الوفير الذي يكفيه ليعيش به حياةً هانئةً إن حافظ عليه.

أما الصائم الخاسر فهو: مَن ضيَّع ما اكتسب من حسنات في رمضان بانتكاسته بعد رمضان، والتفريط فيما اكتسبه من حسنات في رمضان بالوقوع في المعاصي والذنوب صغيرها وكبيرها، فإن السيئات يذهبن الحسنات كما أن الحسنات تذهبن السيئات، فإذا لقي هذا الصائم الخاسر ربَّه يوم القيامة لم يجد تلك الحسنات التي جناها في رمضان في ميزان حسناته أحوج ما يكون إليها.

وقد حذَّر القرآن الكريم من هذا الحال أشد التحذير بضرب مَثَلٍ له بليغ لمن يتأمله، يصور فيه مدى ندم وحسرة من انقلب حاله بعد الغنى إلى الفقر أحوج ما يكون إلى المال؛ كالتاجر الذي فرط في الربح الوفير، والذي لا يقل عنه الصائم الخاسر في التحسر والندم حيث لا ينفع التحسر والندم؛ قال الله -تعالى- في سورة البقرة: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة: 266).

فهذا مثل الذي عمل لله -تعالى- ثم أبطل عمله بمناف له، يشبه صاحب هذه الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت حاجة صاحبها إليها، وهو حال من ضيع ثواب رمضان الذي حصله باجتهاده في الطاعة في رمضان فلم يجده في صحيفة حسناته يوم القيامة أحوج ما تشتد حاجته إليه، فقد أحسن أولًا، ثم انتكس وانعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات، فأبطل بعمله الثاني ما تقدم من عمله الصالح السابق، فخانه عمله الصالح أحوج ما يكون إليه.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: "وأما مَن أنفق لله ثم اتبع نفقته منًّا وأذى، أو عمل عملًا فأتى مبطلًا لذلك العمل، فهذا مثله مثال صاحب الجنة، لكن سلط عليها (إِعْصَارٌ) وهو الريح الشديدة (فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ) وله ذرية ضعفاء، وهو ضعيف قد أصابه الكبر، فهذه الحال من أفظع الأحوال، ولهذا صدر هذا المثل بقوله: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) إلى آخرها بالاستفهام المتقرر عند المخاطبين فظاعته، فإن تلفها دفعة واحدة بعد زهاء أشجارها، وإيناع ثمارها، مصيبة كبرى، ثم حصول هذه الفاجعة وصاحبها كبير قد ضعف عن العمل، وله ذرية ضعفاء لا مساعدة منهم له، ومؤنتهم عليه فاجعة أخرى، فصار صاحب هذا المثل الذي عمل لله ثم أبطل عمله بمناف له يشبه حال صاحب الجنة التي جرى عليها ما جرى حين اشتدت ضرورته إليها".

توضيح المثل المضروب:

- (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ): أيحب، (أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ): خص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ).

(وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ): قال الزجاج -رحمه الله-: الإعصار في اللغة: الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود. وقيل لها (إِعْصَارٌ)؛ لأنها تلتف كالثوب إذا عصر فإنه يصعد عمودًا ملتفًّا، فهي ريح ترتفع إلى السماء كأنها عمود. قال السدي -رحمه الله-: الإعصار الريح والنار السموم، يعني بالسموم: الرياح الحارة. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ريح فيها سموم شديدة. كما قال -تعالى- عن أصحاب الشمال: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ . فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ . وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ . لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) (الواقعة: 41- 44).

إعصار النار:

هو نوع من الأعاصير نادر الحدوث، لكنه شديد الخطورة، يحدث غالبًا في حرائق الغابات، نتيجة مزيج من الحرارة الشديدة الناتجة من الحرائق والرياح المضطربة والتيارات الهوائية المتصاعدة، حيث يؤدي ذلك إلى دوران الهواء الساخن بسرعة كبيرة ساحبًا معه اللهب والدخان والجمر إلى الأعلى بشكل عمودي، في دوامة نارية قد تصل سرعتها إلى 100 ميل في الساعة لتلتهم كل شيء في طريقه، فيتسبب في دمار لمساحات واسعة من الأرض. ويعد ذكر تلك الظاهرة النادرة في القرآن الكريم من ريح شديدة محملة بالنار عند العلماء إشارة إعجازية دقيقة لظاهرة نادرة الحدوث.

 (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ): أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها، كما قال -تعالى-: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43).

وقد روى البخاري في تفسيره عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيم ترون هذه الآية نزلت: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ)، قالوا: الله ورسوله أعلم. فغضب عمر -رضي الله عنه-، وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم! فقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين؛ قال عمر -رضي الله عنه-: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك؛ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله -عز وجل- له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله، وفي رواية: فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء. فرضي ذلك عمر -رضي الله عنه-.

وروى ابن أبي مليكة -رحمه الله- أن عمر -رضي الله عنه- تلا هذه الآية، وقال: هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء. قال ابن عطية -رحمه الله- في تفسيره، فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها؛ وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع، وغيرهم.

وقد قيل: إن الآية ضربت مثلًا لنفقة الرياء، حكاه الطبري عن السدي ورجحه. وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا أنها مثل ضربه الله -تعالى- للمرائين بالأعمال يبطلها الله -تعالى- يوم القيامة أحوج ما يكون المرء أحوج إليها. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنها لمن عمل لغير الله -تعالى- من منافق وكافر. وقيل: نزلت فيمن يبطل عمله بالمن والأذى، حكي عن ابن زيد -رحمه الله- في قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) (البقرة: 264).

ومثل ذلك في الدلالة على مغبة وعاقبة ارتكاب المعاصي والذنوب والاعتداء على حقوق الآخرين أو منعها: قصة أصحاب الجنة الواردة في سورة القلم في قول الله -تعالى- فيهم: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) (القلم: 17) أي: البستان المشتمل على أنواع من الثمار والفواكه (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ): حلفوا فيما بينهم ليقطعن ثمرها ليلاً لئلا يعلم بهم فقير، ليتوفر ثمرها عليهم فلا يتصدقوا منه بشيء كما كانوا يفعلون من قبل (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) فيما حلفوا (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ) أصابتها آفة سماوية (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) الهشيم اليابس، قد حرموا خير جنتهم بذنبهم (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ) نادى بعضهم بعضًا في الصباح الباكر ليذهبوا إلى قطع الثمار (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ) تريدون الصرام، إذ كان حرثهم عنبًا؛ لذا (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ) يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدًا كلامهم.

(أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينٌ) أي: لا تمكنوا فقيرًا يدخلها عليكم (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ) عليها فيما يزعمون ويرمون (فَلَمَّا رَأَوْهَا) وصلوا إليها فوجدوها على حالتها سوداء لا ينتفع منها بشيء (قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ) اعتقدوا أنهم ضلوا الطريق، وأنهم سلكوا طريق غير طريق جنتهم، ثم رجعوا عما كانوا فيه لما تيقنوا أنها هي (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) لا حظ لنا ولا نصيب (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) المراد أعدلهم وخيرهم (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) فهلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فأتوا بالطاعة حيث لا تنفع، وأبدوا الندم حيث لا ينجع.

(فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ) يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه اعترافًا بالذنب والخطيئة (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) اعتدينا وبغينا وجاوزنا الحد (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ . كَذَلِكَ الْعَذَابُ) (القلم: 32-33)، عذاب من خالف أمر الله وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المسكين والفقير وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرًا (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (القلم: 33)، هذه عقوبة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشق.

وقد ذكر بعض السلف: أن هؤلاء كان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير سيرةً حسنةً فكان ما يستغل منها يرد فيها ما تحتاج إليه، ويدخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل، فلما مات ورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق، إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنَّا منعناهم لتوفر ذلك علينا، لما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، رأس المال والربح والصدقة، فلم يبقَ لهم شيء. (راجع في ذلك تفسير ابن كثير).

السُّنة النبوية في هذا المعنى:

وفي هذا المعنى والمراد وردت أحاديث في السنة النبوية: منها ما جاء في حديث المفلس عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (رواه مسلم).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرحه لهذا الحديث: "فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُفْلِسُ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ) وفي رواية: (مَنْ يَأْتِي بِحَسَنَاتٍ مِثْلِ الْجِبَالِ) أي: يأتي بحسنات عظيمة، فهو عنده ثروة من الحسنات، لكنه يأتي وقد شتم هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، أي: اعتدى على الناس بأنواع الاعتداء، والناس يريدون أخذ حقهم ما لا يأخذونه في الدنيا يأخذونه في الآخرة، فيقتص لهم منه، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته بالعدل والقصاص بالحق، فإن فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار -والعياذ بالله-.

تنقضي حسناته، ثواب الصلاة ينتهي، وثواب الزكاة ينتهي، وثواب الصيام ينتهي، كل ما عنده من حسنات ينتهي، فيؤخذ من سيئاتهم ويطرح عليه، ثم يطرح في النار -والعياذ بالله-. وصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا هو المفلس حقًّا أما مفلس الدنيا فإن الدنيا تأتي وتذهب، ربما يكون الإنسان فقيرًا فيمسي غنيًّا، أو بالعكس، لكن الإفلاس كل الإفلاس أن يفلس الإنسان من حسناته التي تعب عليها، وكانت أمامه يوم القيامة يشاهدها ثم تؤخذ منه لفلان وفلان.

وفي هذا التحذير مِن العدوان على الخلق، وأنه يجب على الإنسان أن يؤدي ما للناس في حياته قبل مماته حتى يكون القصاص في الدنيا مما يستطيع، أما في الآخرة فليس هناك درهم ولا دينار حتى يفدي نفسه، ليس هناك إلا الحسنات؛ قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (فَيَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِذَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ ثُمَّ طُرِحَ عَلَيْهِ وَطُرِحَ فِي النَّارِ)، ولكن هذا الحديث لا يعني أنه يخلد في النار، بل يعذب بقدر ما حصل عليه من سيئات الغير التي طرحت عليه، ثم بعد ذلك مآله إلى الجنة؛ لأن المؤمن لا يخلد في النار، ولكن النار حرها شديد، لا يصبر الإنسان على النار ولو للحظة واحدة. هذا عن نار الدنيا فضلًا عن نار الآخرة، أجارني الله وإياكم منها" (ينظر شرح رياض الصالحين).

ومنها ما رواه البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقضِي أَوْ يُقْضَى بِهَا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَسُعَ لهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ". أي: يوازن بين الحسنات والسيئات، ويقتص بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته ابتداءً فقد نجا ودخل الجنة، ومن كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته، وبقي له حسنة دخل بها الجنة.

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله- في جامع العلوم والحكم: "قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحي الكبيرة بما يقابلها من العمل ويسقط العمل فلا يبقى له ثواب".

وقال أيضًا: "وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلا بد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش".

وقد ورد أن ابن عمر -رضي الله عنهما- أعتق مملوكه الذي ضربه، وقال: "ليس لي فيه من الأجر شيء"، حيث كان كفارةً منه لذنبه ولم يكن ذنبه من الكبائر، فكيف بما كان من الأعمال مكفر للكبائر.

قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "فإذا كان هذا في الصغائر؛ فكيف بالكبائر؟! فإن بعض الكبائر قد يحبط بعض الأعمال المنافية لها، كما يبطل المن والأذى الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا الجهاد كما قالت عائشة"؛ يعني حديث عائشة -رضي الله عنها- عن ابن إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة -رضي الله عنها-، فدخلت أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين إني بعت غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة، وإني ابتعته منه بستمائة نقداً. فقالت لها عائشة -رضي الله عنها-: بئس ما اشتريت وبئس ما شريت، إذ ذلك عند عائشة هو بيع عينة محرم، وقالت: إن جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بطل إلا أن يتوب (رواه الدارقطني، والبيهقي). وامرأة أبي إسحاق السبيعي مجهولة الحال، لم تثبت عدالتها.

وعن أبي مسعود البدري -رضي الله عنه- قال: كنت أضرب غلامًا لي بالسوط فسمعت صوتًا من خلفي: (اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ)، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا هو يقول: (اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ)، فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا. وفي رواية: فسقط السوط من يدي من هيبته. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله -تعالى-. فقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ‌لَلَفَحَتْكَ ‌النَّارُ، ‌أَوْ ‌لَمَسَّتْكَ ‌النَّارُ) (رواه مسلم).

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: "فلما رأى أنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكره بهذه الموعظة العظيمة أن الله أقدر عليه من قدرته على هذا العبد، سقطت العصا من يده هيبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أعتق العبد، وهذا من حُسْن فهمه -رضي الله عنه-؛ لأن الله -تعالى- يقول: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) (هود: 114) فبدلًا من أنه أساء إلى هذا العبد أحسن إليه بالعتق؛ ولهذا أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك بأن من ضرب عبدًا أو لطمه فإن كفارة ذلك أن يعتقه؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات" (ينظر: المصدر السابق).

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ) (رواه مسلم). وعن أبي علي سويد بن مقرن -رضي الله عنه- قال: "لقد رأيتني سابع سبعة من بني مقرن ما لنا خادم إلا واحدة لطمها أصغرنا، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نعتقها" (رواه مسلم). وفي رواية: سابع إخوة لي.

وفي بيان مغبة الغيبة، ما جاء عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حسبك من صفية كذا وكذا -قال بعض الرواة تعني أنها قصيرة-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

قال النووي -رحمه الله- في رياض الصالحين: "ومعنى مزجته خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها. وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة". وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة".

والحمد لله رب العالمين.