الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 أبريل 2026 - 18 شوال 1447هـ

نعمة الإيمان (6)

كتبه/ أحمد مسعود الفقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا يزال الحديث موصولًا حول لوازمِ الإيمان:

إكرام الضيف وسمو الأخلاق:

في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) إشارة إلى أن إكرام الضيف يمثِّل سمة بارزة للسمو الأخلاقي الذي تدعو إليه تعاليم الشريعة، والتخلق بها يُعدُّ مظهرًا من مظاهر تمام الإيمان وكماله، ولقد كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- معروفًا قَبْلَ البعثة بإكرام الضيف.

قالت خديجة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما رجع إليها من غار حراء فزعًا: (وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) (متفق عليه). وفي الحديث: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ؛ جَائِزَتُهُ)، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: (يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ يُقِيمُ عِنْدَ أَخِيهِ حَتَّى يُؤْثِمَهُ)، قالوا: يا رسول الله وكيف يؤثمه؟ قال: (يُقِيمُ عِنْدَهُ وَلَا شَيْءَ لَهُ يَقْرِيهِ بِهِ) (متفق عليه).

رابعها: تحقيق التلازم الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح طاعةً لله وطاعةً لرسوله -صلى الله عليه وسلم-:

إنَّ الناظر في آيات القرآن الكريم يجد تلازمًا لافتًا بين الإيمان والعمل الصالح، حتى ما يكادان أن يُذكَرا إلا مقترنين معًا، وذلك في مثل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم: 96)، وقوله: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) (الروم: 15)، فلا يكون إيمانٌ  كامل إلا إذا اقترن بالعمل الصالح.

وفي ربط الإيمان بالعمل الصالح إشارةٌ إلى وجوب تلازمهما، واعتبار العمل الصالح عنوانًا أو مظهرًا للإيمان. والإيمان بالله يجعل صاحبه يقبل على الخير والعمل الصالح، وينقبض عن الشر والمعاصي والمنكرات؛ ابتغاءً لوجه الله، واتقاءً لغضبه، واكتسابًا لرضاه ورضوانه.

خامسها: أن توجل وتخشع قلوبهم وجوارحهم عند ذكر الله وسماع القرآن وفي الصلاة وغيرها:

بكى محمد بن المنكدر يومًا بكاءً شديدًا، فاجتمع عليه أهله فسألوه عن سبب بكائه، فاستعجم لسانه (لم يستطع أن يرد عليهم)، فدعوا أبا حازم سلمة بن دينار. فلما جاء وسكن محمدٌ سأله أبو حازم عن سبب بكائه؟ فقال: قرأت قوله -تعالى-: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر: 47) فبكيت. فبكى أبو حازم وعاد محمدٌ إلى البكاء، فقال أهل ابن المنكدر لأبي حازم: جئناك تخفف عنه فزدته بكاءً!

لَمَّا طهرت قلوبهم ورقت وعقلت عن الله تأثرت؛ فبكت العيون، ووجلت القلوب، وخشعت الأبدان، وتغيرت الأخلاق، وحسنت الأعمال، واستقامت الأحوال. ولو كانت قلوبنا كقلوبهم لكانت أحوالنا كأحوالهم، ولكن صدق الإمام الشاطبي إذ يقول في حرز الأماني ووجه التهاني:

وَلَوْ أَنَّ عَيْنًا سَـاعَـدَتْ لَتَـوَكَّفَتْ               سـَحـَائـِبُهَا بِالـدَّمْعِ دِيْمًا وَهُـطـَّـلَا

وَلَكِنَّهَا عَنْ قَسْوَةِ الْقَلْبِ قَحْطُهَا               فَيَا ضَيْعَةَ الْأَعْمَارِ تَمْشِي سَبَهْلَلَا

والمعنى: لو ساعدت عينٌ صاحبَها على البكاء على التقصير في طاعة الله لهطلت مدامعها بالدمع، ولم ينقطع بكاؤها أبدًا، ولكن قلة بكائها صادرةٌ عن قسوة القلب بسبب الغفلة عن ذكر الله سبحانه؛ فاحذروا أن تمر أعماركم في اللهو واللعب، وما لا يعود عليكم بالنفع في الحال والمآل؛ قال -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: 2). والخشوع هو روح الصلاة، ولُبُّها، وهو سبب فلاح العبد وفوزه في الدنيا والآخرة؛ فينبغي للمرء أن يسعى في تحصيله، ويجاهد نفسه من أجل ذلك؛ قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1- 2).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.


مواد ذات صلة