الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 14 مارس 2026 - 25 رمضان 1447هـ

نعمة الإيمان (5)

كتبه/ أحمد مسعود الفقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا يزال الحديث موصولًا حول لوازمِ الإيمان:

فثالثها: ألا تفارق الكلمة الطيبة لسان العبد وأن يكرم جاره وضيفه:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) (متفق عليه). وقال -تعالى-: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة: 83).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) (رواه البخاري ومسلم).

قال ابن عثيمين: "الكلمة الطَّيِّبَة تَنْقَسِم إلى قسمين؛ طِيْبَة بذاتها، وطِيْبَة بغاياتها. أمَّا الطَّيِّبَة بذاتها كَالذِّكْرِ؛ لا إله إلا الله، الله أكبر، الحمد لله، لا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الذِّكْر: قراءة القرآن. وأمَّا الكلمة الطَّيِّبَة في غايتها فهي الكلمة المباحة؛ كالتحدث مع الناس إذا قصدت بهذا إيناسهم وإدخال السرور عليهم، فإنَّ هذا الكلام وإن لم يكن طِيْبًا بذاته، لكنَّه طِيْبٌ في غاياته في إدخال السرور على إخوانك، وإدخال السرور على إخوانك مما يقربك إلى الله -عز وجل-" (شرح رياض الصالحين).

وقال -سبحانه-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: 10).

قال ابن كثير: "وقوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) يعني: الذِّكْر والتلاوة والدعاء، قاله غير واحد من السلف" (تفسير ابن كثير).

والكلمة الطَّيِّبَة هي التي تسر السامع وتؤلف القلوب، وهي التي تُحْدِث أثرًا طيِّبًا في نفوس الآخرين، وهي التي تثمر عملًا صالحًا في كل وقت بإذن الله، وهي التي تفتح أبواب الخير، وتغلق أبواب الشر.

الإحسان إلى الجار وحقوقه:

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ)؛ يشير إلى أن الإحسان إلى الجار قربة عظيمة إلى الله -تعالى-.

ومن هنا جعل الإسلام للجار حقوقًا عديدة؛ من جملتها: أن يشيع المسلم المحبة بينه وبين جيرانه، وأن يأتي كل ما من شأنه أن يوطّد هذه العلاقة، ويزيدها قوة، فيتعهّده دائمًا بالزيارة والسؤال عن أحواله، ويمدّ له يد العون في كل ما يحتاجه، ويشاركه في أفراحه التي تسعده، ويقف معه في الشدائد والنوائب التي قد تصيبه، ويستر ما يظهر له من عيوبه، ويحفظ عينه من النظر في عوراته، ويتواصل معه بالهدايا بين الحين والآخر؛ فإنَّ ذلك يزيد الألفة ويقوي المحبة، مهما كانت الهدية قليلة القَدْر؛ فإنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) (رواه البخاري ومسلم). وفي الحديث حثٌّ على الهدية للجار ولو بالشيء القليل، و(فِرْسِنَ شَاةٍ) أي: ما يكون في ظِلف الشاة، وهو شيء يسير زهيد. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا أَبَا ذَرٍّ، إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ) (رواه مسلم). وفي رواية عن أبي ذر قال: إنَّ خليلي -صلى الله عليه وسلم- أوصاني: (إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ ‌جِيرَانِكَ، ‌فَأَصِبْهُمْ ‌مِنْهَا ‌بِمَعْرُوفٍ) (رواه مسلم).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ)، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: (الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)، قالوا: يا رسول الله وما بوائقه؟ قال: (شَرُّهُ) (رواه البخاري).

وبهذا يتبين أنَّ أمانَ الجارِ مِنْ كمالِ الإيمان، وبلوغِ أعلى درجاتِه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.


مواد ذات صلة