الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 20 مايو 2026 - 3 ذو الحجة 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (17) اسما الله (المقدم والمؤخر) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).

- لم يرد ذكر هذين الاسمين الكريمين (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) في القرآن الكريم، وإنما وردا في حديث صحيح؛ وذلك في دعائه -صلى الله عليه وسلم- في استفتاحه لصلاة التهجد: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ؛ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه البخاري).

الوقفة الأولى: معنى (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) في حق الله -تعالى-:

- قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "المقدم والمؤخر من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يُطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر، فإنَّ الكمال من اجتماعهما، فهو -تعالى- المقدم لمن شاء، والمؤخر لمن شاء بحكمته" (الحق الواضح المبين).

- وقال الخطابي -رحمه الله-: "هو المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء. قدَّم المقادير قبل أن يخلق الخلق، وقدَّم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدَّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخَّر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخَّر الشيء عن حين توقعه لعلمه بما في عواقبه من الحكمة. لا مقدم لما أخَّر ولا مؤخر لما قدَّم... والجمع بين هذين الاسمين أحسن من التفرقة" (الأسماء والصفات).

وتقديم وتأخير (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) -سبحانه- كوني وشرعي:

أولًا: التقديم والتأخير الكوني: كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها والشروط على مشروطاتها؛ قال السعدي -رحمه الله-: "وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له".

ثانيًا: التقديم والتأخير الشرعي: كما فضَّل الأنبياء على بقية الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض، وفضَّل بعض عباده على بعض، وقدَّمهم في العلم والإيمان والعمل والأخلاق وسائر الأوصاف، وأخَّر من أخَّر منهم بشيء من ذلك، وكل هذا تبع لحكمته. (الحق الواضح المبين للسعدي).

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسميه (المُقَدِّم، والمُؤَخِّر):

أولاً: الإيمان بأنه سبحانه (المقدم والمؤخر) يثمر في قلب المؤمن التعلق بالله وحده، وهذا يخلص القلب من الخوف من المخلوق أو رجائه؛ لأنه لا يملك تقديم شيء أو تأخيره إلا بإذن الله -تعالى- وحده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال -تعالى- عن ثبات السحرة لما علموا أنَّ الأمر لله وحده: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 49- 51).

ثانيًا: العلم بأنَّ التقدم الحقيقي النافع هو التقدم إلى طاعة الله -عز وجل- وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو التأخر الحقيقي المذموم، أمَّا التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر(1): قال الله -تعالى- عن العبد المغرور الجاهل بحقيقة التقديم والتأخير: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: 34- 36). وقال -تعالى- عن التقدم الحقيقي: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133).

وعن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمَّا أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخر فجلس خلفهم، وأمَّا الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) (متفق عليه).

ثالثًا: الإيمان بحكمته سبحانه البالغة في تقديم ما قدَّم وتأخير ما أخَّر، وهذا يشمل كل شيء قُدِّم أو فُضِّل على غيره أو أُخِّر عنه، ومن ذلك: ما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره؛ فإنَّ مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته -سبحانه- يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأنَّ الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر: قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)(2).

رابعًا: تقديم من قدَّمه الله -عز وجل- وتأخير من أخَّره -سبحانه-، وذلك بأن يكون ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله -عز وجل- في ذلك كله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13). وقال -تعالى- عن طالوت: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 247).

وجاء في سيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبا سفيان بن حرب وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء، استأذنوا على عمر -رضي الله عنه-، فأذن قبلهم لصهيب وبلال -رضي الله عنهما-، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فقال لهم سهيل -رضي الله عنه-: "أيها القوم إني والله أرى في وجوهكم الغضب، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم؛ دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دُعوا يوم القيامة وتُركتم؟!" (التوابون لابن قدامة).

فاللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن القيم -رحمه الله-: "العبد سائر لا واقف، فإمَّا إلى فوق وإمَّا إلى أسفل، وإمَّا إلى أمام وإمَّا إلى وراء. وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة. ما هو إلا مراحل تُطوى أسرع طيٍّ إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر. وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيرًا لِلْبَشَرِ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر: 35- 37)، ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة" (مدارج السالكين).

(2) قصة عامل دورة المياه: كان رجل صالح فقير جدًّا، يعمل خادمًا على دورة مياه عامة، فقررت الهيئة الحكومية إجراء اختبار للعاملين في القراءة والكتابة (محو الأمية)، ومن نجح جددوا له عقد الخدمة والعكس. فجاء الرجل ليلة الامتحان إلى إمام المسجد، وطلب منه أن يدعو الله له بالنجاح، فقال الشيخ الفقيه: "اللهم قدِّر له الخير"، فقال الرجل متسائلًا: أنا أقول لك أن تدعو لي بالنجاح! فقال الشيخ: إنك لا تدري أيَّ الحالين لك خير! وانصرف الرجل غير راضٍ بما قال الشيخ. وفي اليوم التالي ذهب إلى الامتحان، وظهرت النتيجة بعد ذلك بالرسوب، وعليه تم إخراج الرجل من عمله، وظل الرجل حزينًا كئيبًا أيامًا وهو يفكر في أسباب الرزق لأولاده! فقام بصناعة عربة خشبية صغيرة جدًّا لبيع اللب والفول السوداني بجوار دورة المياه! ودارت الأيام والشهور، ووجد الرزق أكثر من راتب عمله السابق، فقرر أن يستأجر محلاً صغيرًا تحسينًا للرزق. ودارت الشهور والسنون والرزق يزداد يومًا بعد يوم، فقرر شراء محل أكبر وأفضل، وهكذا ظل الرزق يزيد والرجل يطور من عمله حتى صار الرجل من أكبر التجار في بلده! الله أكبر!

وهنا يأتي السؤال: ماذا لو نجح الرجل في امتحان محو الأمية؟! لكنه -عز وجل- المقدم والمؤخر بحكمة تخفى عن العباد.