الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (258) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (8)
كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
الفائدة السادسة عشرة:
دلَّ قوله -تعالى-: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ): على استغفار إبراهيم لأبيه، وهو كان قبل موته على الكفر كما بيَّن -سبحانه- ذلك في قوله -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113- 114)؛ قال غير واحد من السلف: تبيَّن له أنه عدو لله حين مات على الكفر، فيجوز الاستغفار للمشرك الحي بمعنى طلب الهداية له والإسلام، وأما إذا مات على الكفر فقد تبيَّن لنا وظهر لنا أنه من أصحاب الجحيم؛ فلا يجوز الاستغفار له، ولو كان قريبًا أو أبًا أو أمًّا؛ فدلت الآيتان على أن مِن معنى البراء الواجب من المشركين: عدم الاستغفار لهم، ومثله -إن لم يكن أشد منه- الترحم عليهم؛ لأن مغفرة الذنب ستره وعدم المعاقبة عليه، والرحمة تتضمن إيصال الخير للمرحوم وهو متضمن دخول الجنة في الآخرة، والجنة لا تدخلها إلا نفس مؤمنة كما ثبت في الصحيح مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ) (متفق عليه).
ومن هنا تعلم ضلال مَن جوَّز الترحم، بل وصلاة الجنازة، وقراءة الفاتحة؛ إهداءً لأرواح الكفار الذين تبيَّن لنا أنهم من أصحاب الجحيم بموتهم على الكفر، مهما كان هذا الكافر أو الكافرة متعاطفًا مع قضايا العرب والمسلمين، ومقدمًا خدمات للقضية كما وقع في قصة الصحفية المشهورة "شيرين أبو عاقلة" حين قُتِلت برصاص الاحتلال الصهيوني أثناء تغطيتها بعض أحداث فلسطين؛ فصلَّى عليها مسلمون صلاة الجنازة الإسلامية، وبعضهم صلاة الغائب، وبعضهم نشر أنه قام بعمل عمرة عنها، وهي نصرانية ماتت كافرة!
وكتب بعض الضُلَّال المنتسِبين إلى بعض الجماعات الإسلامية والمنتسبين إلى العلم: أن المسألة فيها خلاف، وهو يرجح ما رجَّحه أحد شيوخه المبتدعين بجواز الترحم على موتى الكفار الذين لهم خدمات للمسلمين!
ولا شك أن هذا مخالف للإجماع بعد مخالفته النصوص، وبعضهم جوَّز الترحم وقصر المنع من الاستغفار على نص الآية، وهو باطل -كما سبق أن بيَّنا-، ولا يزال كثير ممن يعزي في الكفار يقول عن الميت الكافر: المرحوم فلان، أو رحمه الله وأسكنه فسيح جناته! -نعوذ بالله من الضلال-.
وقد عزَّى أحد كبارهم في وفاة بابا الفاتيكان السابق، وترحَّم عليه لما قدَّم من خدمة دينه وكأنه لا يعرف كفره، وأن خدمة دين الكفر والاجتهاد في نشره كفر زائد يستحق مزيدًا من العذاب لا الرحمة.
وكل هذه المظاهر هي مظاهر جهل وبدع وضلال، تخالف نصوص الكتاب والسنة والإجماع؛ بسبب تضييع قضية الولاء والبراء لدى المسلمين، حتى اعتقد كثيرٌ منهم عدم كفر اليهود والنصارى، وبعضهم يوسِّع الدائرة أكثر بأن كلَّ الملل تجتمع في معنى واحد، وهذا كفر وتكذيب للقرآن؛ قال الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران: 85)، وقال الله -عز وجل-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (آل عمران: 19).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم)، نعوذ بالله من النار.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.