كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- كفار مكة -وهو بمكة- بكف الأيدي والصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره، بل كان ممنوعًا من القتال كما قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) (النساء: 77)، ولما هاجر إلى المدينة عاهد يهود عهدًا مطلقًا -وليس مؤبدًا- بلا مال، ولما حاصرته الأحزاب همَّ -صلى الله عليه وسلم- أن يدفعَ ثلثي ثمار المدينة لبعض الأحزاب لينصرفوا، وعاهد المشركين في الحديبية عهدًا مؤقتًا بشروط مجحفة للمسلمين؛ منها: "أن يرد من أتاه مسلمًا، ولا يرد المشركون من أتاهم مرتدًا"، وعاملهم بذلك.
وعاملهم -صلى الله عليه وسلم- بالعفو في مواطن بالعقوبة في مواطن أخرى، فقتل بعض من تعلق بأستار الكعبة عندما فتح مكة، وصفح عن الطلقاء، وفرض الجزية على نجران والبحرين، وكذلك كانت معاملة أصحابه للكفار بأنواعٍ مختلفة، ولم يزل فقه العهود واحتمال المسالمة مع الكفار مدروسًا في الفقه الإسلامي، وفي كل المذاهب.
إذًا نقول: إن هناك أمورًا متعددة يمكن أن نتعامل بها مع الكفار بناءً على المصلحة، وقد قرَّر العلماء أن الأحكام المرحلية التي نزلت قبل الأحكام النهائية ليست من المنسوخ اصطلاحًا، ولكن من المُنسأ الذي يُعمل به في الظروف المشابهة للحال الذي نزلت فيها.
فالواقع قد يختلف عن المطلوب المأمور به شرعًا؛ ولذلك فقد نُعذر بعجزنا عن تطبيق بعض أحكام الشريعة، لكن لا يعذر أحد بالمبادرة إلى القبول بالباطل دون إكراه فهناك أمور لسنا في حاجة إلى قبولها؛ منها على سبيل المثال: "الدولة المدينة " التي يعنون بها عند الإطلاق الدولة العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وليس فيها مرجعية للشريعة، والدستور المصري لم ينص على مدنية الدولة إلى الآن، والتفسير عندهم فيه اختلاف حيث تطلق المدنية ويراد بها ثلاث معانٍ:
1- الدولة العلمانية اللا دينية، والعلمانية هي sccularism، وهذا هو المقصود من وصف الدولة بأن نظامها مدني.
2- الحكومة ليست عسكرية.
3- الدولة الحديثة غير البدوية.
ونحن لسنا في حاجة أن نستحدث مزيدًا من الألفاظ التي فيها إيهام بخلاف الشريعة: كلفظ الدولة المدنية، مع أن اتجاهات إسلامية كثيرة تقبل هذا، ويظنون أنه يمكنهم أن يقولوا لعامتهم: نحن نقصد بالدولة المدنية: الدولة الحديثة -مثلًا- أو الدولة التي ليست عسكرية! وهذا باطل بالتأكيد؛ فمصطلح الدولة المدنية له معنى عند القوم، وهم يطالبون بها على ما يعتقدونه هم لا على ما نرضاه نحن؛ ولذلك نحذر كل الإسلاميين أن يقبلوا هذا النص غير الموجود في الدستور؛ لماذا نأتي بهذا اللفظ؟! لفظ المدنية عندهم تساوي ليست دينية، وهذا بفضل الله -عز وجل- لسنا في حاجة إليه.
أما لفظ الديمقراطية: فهناك من آليات الديمقراطية ما نقبله طالما كان بعيدًا عن قضية التشريع لغير الله، فهذه القضية قضية كفر وإيمان، والدستور المصري يلغي هذا الجزء الآن، والإعلان الدستوري كذلك، وهي مواد كما قالوا فوق دستورية؛ لأنها النظام العام للمجتمع أو المبادي العليا للدستور.
وعامة الأمة يعتقدون وجوب تحكيم الشريعة الإسلامية؛ ولذا لا يمكن أن نقبل الديمقراطية التي تنص على أن التشريع للأغلبية؛ الأغلبية هنا ملزمة بأن تظل تحت نطاق الشرية، ولكن مسألة الوسائل التي يمكن الوصول إليها آليات الانتخابات.
والانتخابات النزيهة هذه يمكن أن يكون لها توصيف إسلامي في بعض الأحيان، وببعض الضوابط قد لا تتوفر في كل الأحيان ولكن يمكن أن تُحسَّن على حسب قوة التأثير الإٍسلامي في العمل السياسي -بإذن الله-، لكن في الجملة هناك ما يوافق آليات معينة من آليات الديمقراطية من مراقبة الحاكم، وعزله وتعيينه، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وكونه ملتزمًا بالقانون الملزم للدولة الإسلامية، وهو قانون الإسلام وشريعة الإسلام.
كل هذه الآليات موجودة في الشريعة الإٍسلامية؛ لذلك يمكن أن نقبل هذا الجزء، ونرفض الجزء الآخر المخالف للشريعة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.