الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
السبت 31 يناير 2026 - 12 شعبان 1447هـ

أثر العربية في نهضة الأمة (21)

كتبه/ ساري مراجع الصنقري

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن كان الاستيئاس يستبدّ بنا أحيانًا، مِن العامِّيّة التي اجتاحت أكثر الميادين، مع وجود من يُروِّج لها! ومِن ضعفٍ شاملٍ في لغة الجيل المعاصر، فإنّه لا يزال يتملّكنا الأمل في قيام رجالٍ من بيننا يُبلِّغون الرسالة إلى جيلنا، وإلى الأجيال الصاعدة بعدنا.

وإن كان تبليغ رسالة لغتنا العربية في حاجةٍ ماسّةٍ إلى من يستمسك بها في مجالات العلم والحضارة، فإنّه في حاجةٍ ماسّةٍ أيضًا إلى رجالٍ لا تُلهيهم الحياة الدنيا، ولا تهزّهم أحداثها، ولا تغرّهم مناصبها، ولا يتلبَّسون بأنانيتها، فلغتنا العربية في حاجةٍ إلى تواصل أجيالٍ أمثال هؤلاء، أصحاب عزيمةٍ وعمل، ينبثُّون هنا وهناك، في العالم كُلِّه، أفواجًا إثر أفواج، يحملون الأمانة، ويُبلِّغون الرسالة.

فلن يقدر على تبليغ هذه الرسالة غيرهم، لأنّهم هم القادرون على مُحاكاة العصور التي ازدهرت فيها البلاد العربية بالمعرفة الإنسانية، وكان للغة العربية الأثرُ الأكبرُ فيها.

قال الأستاذ محمد شوقي أمين: "في تلك العصور التي ازدهرت فيها البلاد العربية بالمعرفة الإنسانية، استطاعت اللغة العربية أن تُواتيَ العلماء بحاجاتهم من التعبير العلمي الصحيح، ومكَّنَتهم من أن يستخدموا فصاحة اللغة وطواعيتها لخَلق أسلوبٍ علميٍّ قويم، تتوافر له دِقَّةٌ وعمقٌ وسلامة، وهذه هي مُؤلَّفاتهم تشهد بما وقفوا فيه من تجلية الحقائق العلمية النظرية والتجريبية في مختلف ضروب المعرفة، مستعينين بما ابتدعوا من مصطلحاتٍ أصيلةٍ بلسانٍ عربيٍّ مُبِين.

وإنّ استجابة اللغة للمطالب العلمية والاجتماعية والحضارية بوجهٍ عامٍّ لهي برهانُ ما تميَّزت به من سعةٍ وغنًى ومرانة، ففي مادّتها الغزيرة وأقيستها المتنوعة، وفي طرائقها للوضع والاشتقاق من الألفاظ والتراكيب، وفي أدواتها ووسائطها لتأدية ألوان المعاني والدلالات، عونٌ وثيقٌ لمن ينشد عندها التعبير عن كل ما يجد في الحياة من الأعيان وسائر المُسمَّيات، وما يقوم بالنفس من ضروب الخوالج والأفكار" (انتهى).

فلعلّ إيماننا الصادق بعالمية لغتنا الفُصحى، وأنّها قادرةٌ على استيعاب الحضارة الحديثة على اختلاف مناحيها، يكون باعثًا لنا على النُّهُوض من جديد.

ونسأل الله العون والسداد.

ونلتقي في مقالٍ قادمٍ -بإذن الله-.