الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 29 يناير 2026 - 10 شعبان 1447هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (10) اسم الله (الحليم) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه).

- ورد اسمه الله سبحانه (الحليم) في القرآن الكريم لفظًا إحدى عشرة مرة، وورد معناه في مواضع كثيرة، من أقواها دلالة: قوله -تعالى-: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا) (فاطر: 45).

مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذا الاسم الجليل "الحليم":

(إشارة مختصرة إلى أحداث غزة 2023-2024م)، وما فعله يهود -لعنة الله عليهم- بأهل غزة المسلمين بكل وحشية وقسوة، والله -سبحانه- لا يعاجلهم بالعقاب، بل هو يرزقهم، ويعطيهم وجودهم ذاته قبل أن يعطيهم أي شيء؟!

- ذلك لأنه "الحليم" الذي لا يعجل بالعقوبة للعاصين والفاجرين، لحِكَم ستظهر قريبًا: قال -تعالى-: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل: 61).

- دلالة معنى اسم " الحليم " في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: (الحليم الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا" (تفسير السعدي)(1).

الوقفة الأولى: (مجمل صور حلمه):

- وذلك من خلال معنيين عظيمين، يندرج تحتهما ما لا يحصى من صور حلمه -تعالى-.

المعنى الأول: حلمه عن مقابلة العاصين بالعقوبة:

- فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، فلا يعاقبهم على الفور، بل يستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا: قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53)، وقال -تعالى-: (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 74)، وقال -تعالى-: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال: 38)(2).

- انظروا إلى حلمه -سبحانه -بأصحاب الأخدود وغيرهم من الفاجرين في كل زمان.. أوقدوا النار العظيمة فألقوا فيها أولياءه.. ومع هذا كله دعاهم للتوبة: قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا) (البروج: 10) قال الحسن البصري -رحمه الله-: "انظروا إلى هذا الكرم والجود! قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!" (تفسير ابن كثير).

المعنى الثاني: حلمه بعدم الاستجابة لاستعجال عباده بإنزال العقوبة:

وذلك من خلال صورتين:

الأولى: من قِبَل المؤمنين في استعجالهم الفتح بينهم وبين القوم الكافرين: (وقعة أحد، ودعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- على المشركين بالهلاك)، ونزول قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) (آل عمران: 128).

الثانية: من قبل الكافرين الذين يستعجلون نزول العذاب استهزاءً واستخفافًا: قال -تعالى-: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) (الحج: 47)، وقال -تعالى-: (وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ) (ص: 16)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (الأنفال: 32).

- ومع ذلك فالله -عز وجل- يحلم عنهم ويتأنى بهم، فتبارك الله العظيم "الحليم": (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ) (يونس: 11).

الوقفة الثانية: (من آثار الإيمان باسم الله الحليم):

أولًا: زيادة محبة الله -عز وجل- والحياء منه:

- لما كان حلمه العظيم اقتضى كل هذا الصبر على عباده العصاة (وهو القادر القاهر)، وعدم الاستعجال في عقوبتهم (وهم الضعفاء المقهورين) لعلهم يستعتبون ويتوبون، أورث ذلك في قلوب العقلاء، زيادة الإيمان، وعظيم المحبة والحياء من هذا الرب الرحيم الحليم القوي القادر العظيم؛ قال -تعالى-: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ) (الكهف: 58)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ أَحَدٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ) (متفق عليه).

ثانيًا: عدم اليأس من رحمة الله -تعالى-:

- وذلك بالمبادرة إلى التوبة والإنابة عن الذنوب مهما عظمت؛ لأنه سبحانه ما أخَّر العقوبة على الذنب إلا للإنابة والتوبة: قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى: 25). (إشارة إلى قصة الشيخ الهرم التائب)(3).

ثالثًا: الحذر من غضبه -سبحانه-:

- هو سبحانه مع حلمه الواسع بالعاصين، وإمهاله لهم ليتوبوا؛ إلا أنه لا يهملهم إذا أصروا، واستمروا في طغيانهم، فيغضب عليهم: (وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (النحل: 61)، وإذا غضب -تعالى- لم يقف لغضبه شيء: قال -تعالى-: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (هود: 102)، وقال -تعالى-: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) (الزخرف: 55).

وقال عمر بن ذر -رحمه الله-: "يا أهل المعاصي، لا تغتروا بطول حلم الله عنكم، واحذروا أسفه -غضبه-؛ فإنه قال: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ)" (تفسير البغوي).

وقال -تعالى-: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (العنكبوت: 40).

- وأشد غضبه عليهم أن يؤخرهم بالعقوبة، لتكون عاقبة السوء في الآخرة: قال -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42) وقال: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (آل عمران: 178)، وقال -تعالى-: (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ . مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) (آل عمران: 196-197)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ . وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (الأعراف: 182-183).

خاتمة: سبحانك ما أحلمك!

- يوشك أن تزول السماوات والأرض، ولا تستقر من كثرة معاصي العباد، لولا حلمه -سبحانه -ومغفرته: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (فاطر: 41).

- تأمل دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- باسمه "الحليم" عند شدة الأمر والكرب والمحنة مقرونًا بصفات العظمة والقوة، تعرف الحكمة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول عند الكرب: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) (متفق عليه).

فاللهم يا حليم يا غفور، اغفر لنا واعفُ عنا، ولا تؤاخذنا بما يفعل السفهاء منا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال السعدي -رحمه الله- في موطن آخر: "الحليم الذي له الحلم الكامل، والذي وسع حلمه أهل الكفر، والفسوق والعصيان، ومنع عقوبته أن تحل بأهل الظلم عاجلًا، فهو يمهلهم ليتوبوا، ولا يهملهم إذا أصروا، واستمروا في طغيانهم، ولم ينيبوا... والله -تعالى- حليم عفو، فله الحلم الكامل، وله العفو الشامل، ومتعلق هذين الوصفين العظيمين معصية العاصين، وظلم المجرمين، فإن الذنوب تقتضي ترتب آثارها عليهما من العقوبات العاجلة المتنوعة. وحلمه -تعالى- يقتضي إمهال العاصين، وعدم معاجلتهم، ليتوبوا، وعفوه يقتضي مغفرة ما صدر منهم من الذنوب خصوصًا إذا أتوا بأسباب المغفرة من الاستغفار، والتوبة، والإيمان، والأعمال الصالحة، وحلمه وسع السماوات، والأرض، فلولا عفوه ما ترك على ظهرها من دابة، وهو -تعالى- عفو يحب العفو عن عباده، ويحب منهم أن يسعوا بالأسباب التي ينالون بها عفوه من السعي في مرضاته، والإحسان إلى خلقه" (الحق الواضح المبين).

(2) يحسن الإشارة إلى بعض صور حلمه -تعالى- بالكفار والعصاة، بما يفعلون ويكررون في كل ساعة (دور العبادات الشركية التي يتعبد فيها مَن ينسبون لله الولد - التعبد عند الأضرحة والقبور وسؤال الأموات الحاجات وتفريج الكربات - المقاهي والملاهي والشواطئ، وأماكن اللهو والفجور والفسق العلني التي تعج بالرواد ـ و..).

(3) عن شَطَب المَمْدُود -رضي الله عنه- قال: جَاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ هَرِمٌ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّهَا وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَتْرُكْ حَاجَةً وَلَا دَاجَةً إِلَّا أَتَاهَا؛ فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ؟! قَالَ: (فَهَلْ أَسْلَمْتَ) قَالَ: "أَمَّا أَنَا، فَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ"، قَالَ (تَفْعَلُ الْخَيْرَاتِ وَتَتْرُكُ السَّيِّئَاتِ فَيَجْعَلُهُنَّ اللَّهُ لَكَ خَيْرَاتٍ كُلَّهُنَّ)، قَالَ: "وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي؟!"، قَالَ: (نَعَمْ). قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ حَتَّى تَوَارَى. (رواه الطبراني، وصححه الألباني).