كتبه/ عبد العزيز خير الدين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالزواج نعمة من نعم الله على الشباب ذكورًا وإناثًا؛ لتستقيم حياتهم بالمودة والأمن والاستقرار، فإذا وجد الشاب الزوجة المناسبة وهيأ نفسه للزواج طلبًا للعفة والوقاية والسكن، فإذا به يصطدم ببعض العادات السيئة، وعلى رأسها: المغالاة في المهور، والتنافس فيمن يأتي بمهر أعلى عن الآخر (سواء كان المهر مالًا أو ذهبًا)، والتي سببها الجهل بأمور الدين، وعدم الاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، والتعامل مع الإناث كسلع تباع وتشترى لمن يدفع أكثر، وبالتالي الإبقاء عليهن إلى أجل غير مسمى.
بالإضافة إلى طمع بعض أولياء الأمور، وعدم إدراكهم لقيمة الزواج وأهدافه، وإسناد الحكم في هذه الأمور إلى النساء، وتقليد آرائهن، وتنفيذ طلباتهن.
وفي المقابل: سكوت القادة والمعنيين بأمور الناس حتى استفحل الأمر وبلغ ما هو عليه.
ولا شك أن هذه الظاهرة لها تأثير سلبي ومدمر؛ فهي تؤخر الزواج بالنسبة للشباب والشابات وتعطل سنة الله في الزواج، مع حدوث الأمراض النفسية في صدور الشباب من الجنسين بسبب الكبت ودخول اليأس على أفكارهم بخيبة الأمل.
فيظهر انحراف بعض الشباب؛ مثل: السرقة أو الاختلاس أو النصب من أجل توفير المبالغ اللازمة للزواج، واللجوء إلى القروض والاستدانة من الآخرين ودخولهم في مشكلات وهموم لا تنتهي بسرعة. والخوف الحقيقي في وجود سلوك انحرافي في إشباع الغريزة الجنسية بطرق محرمة عند عدم الحصول على المال اللازم للمهر المبالغ فيه.
وقد يظن بعض أولياء الأمور: أنه كلما زاد في مهر ابنته زادت قيمتها وعلا شأنها! وهذا مفهوم خاطئ، فالزواج المبارك هو الذي تكون مؤونته ميسرة على الطرفين دون تكلف أو مغالاة، ولو كان الأمر كذلك لفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أكرم نساء الأرض زوجاته وبناته، كما جاء في سنن أبي داود بسندٍ صحيحٍ عن أبي العجفاء السلمي قال: خطبنا عمر -رحمه الله- فقال: "أَلَا لَا تُغَالُوا بِصَدُقِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً".
ولقد زوَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا بامرأة بعدد سور من القرآن؛ كان ذلك مهرها.
وتزوج عبد الرحمن بن عوف بوزن نواة من ذهب.
وهذا سعيد بن المسيب -سيد التابعين- خطب ابنته الخليفة عبد الملك بن مروان لابنه الوليد فأبى عليه، وزوَّجها لتلميذه عبد الله بن أبي وداعة على درهمين فقط!
بل انظر إلى المهر المعنوي الغالي في قيمته حينما تزوجت أم سليم وقَبِلَت أن يكون مهرها دخول زوجها في الإسلام، كما جاء عند النسائي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن تُسلم فذاك مهري وما أسألك غيره، فأسلم فكان ذلك مهرها".
فنحن نأمل تغيير هذا المفهوم، وتزويج الشباب بما تيسر معهم ليبارك الله في زواجهم، ونساعدهم على الاستقامة: قال -تعالى-: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور: 32).
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.