كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
المسألة الثانية عشرة:
قال القرطبي -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ): فيه سبع مسائل:
الثالثة: قوله -تعالى-: (يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال: (يَأْتِينَ) وإن كانوا يأتون الكعبة؛ لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجًّا فكأنما أتى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف لإبراهيم.
قال ابن عطية: (رِجَالًا) جمع راجل مثل تاجر وتجار. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ) لأن معنى (ضَامِرٍ) معنى ضوامر. والضامر: البعير المهزول الذي أتعبه السفر؛ يقال: ضمر يضمر ضمورًا؛ فوصفها الله -تعالى- بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال: (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) أي: أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال: (والعَاِديَاتِ ضَبْحًا) في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله.
قال (رِجَالًا) وبدأ بهم؛ دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا ألا أكون حججت ماشيًا، فإني سمعت الله -عز وجل- يقول: (يَأْتُوكَ رِجَالًا). وقال ابن أبي نجيح: حج إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- ماشيين...
قال: الخامسة: لا خلاف في جواز الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب.
وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل؛ لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال: حج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة. رواه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-.
السادسة: استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية: لا أسمع للبحر ذكرًا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن، ولا بد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلًا وإما على ضامر؛ فإنما ذكرت حالتا الوصول، وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي.
فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصًا، فمالك والشافعي، وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية: وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلامًا، ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار! وهذا ضعيف.
قلتُ: وأضعف من ضعيف!
قال في المسألة السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت: هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا ؟ فروى أبو داود قال: سئل جابر بن عبد الله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن: افتتاح الصلاة واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، والجمرتين (قلتُ: إسناده ضعيف، والمقصود بالموقفين: عرفه ومزدلفة، والجمرتين: الصغرى والوسطى في أيام التشريق في يومين أو ثلاثة حسب اختيار الشخص).
قال: وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق وضعفوا حديث جابر؛ لأن مهاجرًا المكي راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله. (قلتُ: مع ضعف الحديث المرفوع، وما روي فيه اختلاف عن الصحابة؛ فلا يكون هناك دليل على رفع اليدين عند رؤية البيت).
وقوله -تعالى-: (لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ): دلت الآية على وجوب منافع عظيمة في الحج، وسبق ذكر أقوال السلف أنها تشمل منافع الدين والدنيا والآخرة، وهذا هو الصحيح، ورجَّحه غير واحد من أهل المحققين.
المسألة الثالثة عشرة: سبق أن ذكرنا أن الراجح في الأيام المعدودات أنها ثلاثة أيام أو يومين بعد يوم النحر، وهي: أيام رمي الجمار، وأما الأيام المعلومات المذكورة في هذه الآية: فذكرنا أن الصحيح أنها أيام الذبح مع اعتبار القول الآخر بأنها أيام العشر، لكن الله -عز وجل- ذكر: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)؛ فهذا ذكر الله عند ذبحها؛ ولذا كان الراجح في هذه الأيام المعلومات أنها أيام النحر، يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده على الصحيح من أقوال العلماء، وفي المراد بذكر اسم الله: ذكر التسمية عند الذبح والنحر، مثل قولهم: باسم الله والله أكبر، اللهم منك وإليك، كان الكفار يذبحون على أسماء أصنامهم؛ فبيَّن الرب أن الواجب الذبح على اسم الله.
قال القرطبي في مسائله على هذه الآية: المسألة الثالثة: واختلف العلماء في وقت الذبح يوم النحر؛ فقال مالك -رضي الله عنه-: بعد صلاة الإمام وذبحه؛ إلا أن يؤخر تأخيرا يتعدى فيه فيسقط الاقتداء به. وراعى أبو حنيفة الفراغ من الصلاة دون ذبح. والشافعي: دخول وقت الصلاة ومقدار ما توقع فيه الخطبتين؛ فاعتبر الوقت دون الصلاة، وهذه رواية المزني عنه، وهو قول الطبري. وذكر الربيع عن البويطي قال: قال الشافعي: ولا يذبح أحد حتى يذبح الإمام؛ إلا أن يكون ممن لا يذبح (أي: الإمام)، فإذا صلى وفرغ من الخطبة حل الذبح. وهذا كقول مالك. وقال أحمد: إذا انصرف الإمام فاذبح. وهو قول إبراهيم.
وأصح هذه الأقوال: قول مالك؛ لحديث جابر بن عبد الله قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نحر، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من كان نحر أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرجه مسلم، والترمذي.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.