الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 12 يناير 2026 - 23 رجب 1447هـ

الدعوة السلفية والعمل السياسي (4) (من تراث الدعوة)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛     

فيبقى عندنا إذًا سؤال؛ وهو: ما توصيف المجلس النيابي "البرلمان المصري" بمجلسيه بناءً على هذا التطور فيما يتعلق بأمر التشريع؟ وبناءً على ذلك ما حكم الانضمام لهذه المجالس والترشح لها أو قبول التعيين فيها؟

في الحقيقة عبر جميع المراحل التي مر بها الدستور؛ من دستور 23 إلى الدستور المصري الدائم سنة 71، كان هناك إقصاء للشريعة وجعلها في المرتبة الرابعة، ولا شك أن هذا تفضيل للقوانين الوضعية والعرف على شرع الله -عز وجل-!

وهذا من أقبح أنواع الكفر من جهة النوع، لا جهة العين؛ فليس كل مَن دخل يكون كافرًا؛ هذا الوصف أن هذا مجلس كفري، وليس هذا خاصًّا بمصر، فهناك دول تحرم مرجعية الشريعة، فمثلًا: الدستور التركي يفرض العلمانية ويؤكد على فصل الدين عن الدولة، وعن السياسة، ويحرم الدعوة إلى الرجوع إلى أحكام الشريعة.

فالقانون التركي يجعل عقوبة من طالب أو دعا إلى تحكيم الشريعة الإسلامية السجن ثماني سنوات، وإذا كان ضمن طائفة أو جماعة أو حزب، فإن العقوبة تُغلَّظ إلى السجن مدى الحياة؛ هذا الذي سنه أتاتورك!

والدستور التونسي أيضًا كان كذلك.

وهناك دساتير أخرى -مثل: الدستور اليمني، والدستور الإماراتي- تنص على أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، فالمجالس التي أسست على تنحية الشريعة أو مساواتها بغيرها من مصادر التشريع مجالس كفرية.

ومن راجع موقف الدعوة من الانتخابات البرلمانية سيجده -كما قررنا في ثوابت هذا الباب-: أن المجالس التي تُعطي حق التشريع لغير الله مخالفة للشريعة مجالس كفرية، وكل من أعطى أحدًا حق التشريع المخالف لشرع الله؛ فليس بمسلم، وهذا اعتقادنا إلى الآن -كما ذكرنا في الثوابت التي لا تتغير-.

يبقى أن هناك مواقف كتبت وأُعِدَّت في ضوء التفسير الذي كُتِب في هذا التوقيت كما ورد في أول نشرة حول المشاركة السياسية للدعوة السلفية صدرت سنة 84 قبيل الانتخابات التشريعية في هذا الوقت، ورغم وجود التفسير الذي كان يعتبر أن كون الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي لا يعني إبطال ما يخالفه فيجوز أن تكون بعض القوانين من مصادر أخرى فرعية ولو كانت مخالفة للشريعة.

هذا التفسير الذي ظل حتى سنة 96 مقبولًا عندهم، ومع ذلك وجدنا بعض أهل العلم الأفاضل السلفيين -وليس من مناهج أخرى- يجيزون دخول هذه المجالس -وإن كانت كفرية- لمن أعلن التبرؤ من مبدأ التشريع من دون الله، ودخل في هذه المجالس بنية الإصلاح، وكان يرجى منه الإصلاح؛ منهم: الشيخ ابن باز -رحمه الله- والشيخ العثيمين -رحمه الله- ومن أهل العلم من منع ذلك: كالشيخ الألباني -رحمه الله-.

وهذا الأمر في الحقيقة كان أمامنا ونحن نحدد موقفنا، وقلنا: إن الجواز مشروط بتحقيق البراءة من المبادئ الكفرية التي توجد في هذه المجالس أو الدساتير والقوانين؛ لأن هناك أشياء أخرى في بعضها من الكفر كمساواة الملل، وإعطاء الحاكم سلطة مطلقة في أن يسن ما يشاء.

ولا بد أيضًا من البراءة من كل ما يخالف الشرع ولو كان دون الكفر.

ومن الشروط كذلك: أن تكون نية المشارك نصرة الشريعة وخدمة الدين، وليس تطبيق الديمقراطية على ما هي عليه في مفهومها الغربي، أو الليبرالية أو الاشتراكية أو غيرها من المبادئ الأرضية؛ فالمسألة -مع وجود البراءة المعلنة مِن كل ما يخالف الشريعة، ولو كان المجلس كفريًّا طاغوتيًّا- مبنية على المصالح والمفاسد، وهي بذلك مسألة اجتهادية يسوغ فيها الخلاف.

وكان الموقف بناءً على دراسة واقعنا أننا نرفض المشاركة بالانتخاب أو بالترشح أو بأي وجه من الوجوه؛ لأن المفاسد تربو على المصالح وأن التنازلات كانت مطلبًا أساسيًّا فقد يلزمون بالترشح تحت رايات أحزاب علمانية تصرح بالدعوة إلى فصل الدين عن الدولة.

ويلزمون بالقسم على احترام الدستور مطلقًا بما يتضمنه من مخالفات للشريعة، وقد تحايل بعض الإسلاميين فزادوا في القسم لفظة: "فيما لا يخالف الشريعة"، وحصلت معركة في هذا الشأن في المجالس انتهت بقبول هذا القسم منهم.

وبعد حدوث التفسير الأخير للمادة الثانية من أن كل ما يخالف الشريعة يعد باطلًا فيما يستقبل؛ صرَّحنا بأن المجلس التشريعي المصري ليس مجلسًا كفريًّا؛ لأنه ممنوع دستوريًّا من أن يسن ما يخالف الشريعة.

وإن كان من جهة الواقع العملي ما زال يُسَن ما يخالف الشريعة، لكن بسبب جهالة الداخلين فيه أو أهوائهم أو ولائهم للحاكم وللحزب الحاكم ولاءً مطلقًا، ووجود الأغلبية المضمونة دائمًا.

ومع أن توصيفنا لمجلس الشعب بعد قرار المحكمة الدستورية أنه ليس مجلسًا كفريًّا؛ إلا أن موقفنا في قضية المشاركة ظل على نفس المضمون السابق وهو عدم المشاركة؛ لماذا؟

لأنه كان المطلوب أن يتنازل الإسلاميون عن ثوابتهم العقدية في هذا الباب حتى يسمح لهم بالمشاركة، وكانوا يُختبرون.

أذكر في هذا المقام: أن أحد قادة الإخوان -الذي ربما يرشِّح نفسه للرئاسة- عندما سُئِل: ماذا تصنعون لو أتت صناديق الاقتراع برفض وإلغاء الشريعة الإسلامية؟ أو جاءت برئيس قبطي أو زنديق أو كافر؟ فقال: نقبل صناديق الاقتراع!

وسألوا آخر: ماذا ستصنعون في أدب الزندقة، فقال: "لم يزل الشعراء الزنادقة والإباحيون يكتبون بكل حرية!".

فهم يصرِّحون بقبول الديمقراطية على أصولها، وليس على آلياتها، أو على أنها تكون ضمن مفهوم الشريعة، بل على ما هي عليه من إعطاء حق التشريع لغير الله.

وهكذا يتعرضون لاختبار في قضية الليبرالية والحريات المخالفة للشريعة، وأحيانًا كان يطلب الاشتراك مع أحزاب علمانية والتحالف معها والدخول في قوائم واحدة، وفرض مرشحين غير مسلمين، وكل ذلك كان يقبل بحجة أن موازين القوى العالمية والإقليمية والداخلية لن تسمح بتواجد الإسلاميين.

وبالفعل فقد كان مسموحًا بالتزوير على نطاق واسع جدًّا، وبدعم عالمي مع محاولات تقليلها مظهريًّا بوجود معارضة مستأنسة كانت تؤدي دورًا ديكوريًّا في تحسين صورة النظام المستبد الذي يبدأ بالتزوير، وينتهي بالموافقة حتى صارت كلمة "موافقة" مصدرًا للتندر والسخرية من مجلس الشعب المصري!

وكان هذا الأمر لا يمكن تغييره، وكان الثمن المدفوع باهظًا؛ فإما الانضمام إلى الحزب الحاكم، وإما أن يدفع المرء من ماله وحريته وأمنه، بل ودمه أحيانًا إذا كان سيترشح لمقاومة الحزب الحاكم.

وفي النهاية النتيجة محسومة، والمقاعد ستدور ما بين عشرين إلى ثمانين مقعدًا من خمسمائة يعني لا تتجاوز النسبة عشرين بالمائة بحال من الأحوال، وأما الثمانون بالمائة الباقية -بل أكثر- ففي يد الحزب الحاكم، وفي يد الطغمة المستبدة، فكان هذا الأمر يدفعنا إلى أن نقول: لماذا ندفع غاليًا لنكون في الحقيقة مجرد منديل يُستعمل لتحسين صورة نظام مستبد؟!

وقد قاطعت التيارات الإسلامية التي كانت ترى جواز المشاركة، بل وجوبها الانتخابات عدة مرات؛ فلسنا وحدنا مَن اتخذ هذا الموقف.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.