كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كانت هناك تيارات سلفية في دول أخرى شاركت في البرلمان، ولكن الحقيقة أن هذه الدول من الدول محدودة الأثر، ولربما كانت محتلة في الحقيقة بقوات أجنبية، وكان هامش الحرية واسعًا بحكم أن الدولة بجملتها في فلك النظام العالمي الجديد، ولا يسمح بوجود هذا في مصر بأي درجة من الدرجات.
وأما الآن وقد قامت الثورة المصرية والثورات العربية كذلك، فقد تغيرت -بلا شك- كثير من الموازين الداخلية والإقليمية والعالمية، وأصبح المطلب بنزاهة الانتخابات مطلبًا يصعب تجاوزه.
وكذلك من الأمور المحورية التي تغيَّرت بعد الثورة سقوط الدستور الماضي والاستعداد لكتابة دستور جديد، وكان هناك محاولات لعدم إسقاط الدستور أو إجراء بعض التعديلات فيه، لكن انتهى الأمر بأنه سيكتب دستور جديد خلال المرحلة القادمة.
وكذلك من الأمور التي تغيرت بعد الثورة إطلاق قدر كبير من الحرية للعمل الإسلامي، مع وجود محاربة إعلامية ضخمة للغاية بدلًا من المحاربة الأمنية، فالحرب ما زالت مستمرة لتغيير فكر الإسلاميين من الداخل، وعرض نمط إسلامي يقبل التعامل مع المناهج الغربية، وخير نموذج على ذلك لدى الغرب النموذج التركي الذي يختلف اختلافًا جذريًّا عن واقعنا.
فالمجتمع التركي تعرَّض لإبعاد الدين بالكلية بالحديد والنار، وعقودًا طويلة؛ حتى إن مجرد ظهور امرأة متحجبة في جامعة من الجامعات أو هيئة من الهيئات يعتبر انتصارًا هائلًا مع أنه حجاب غير مقبول شرعًا!
فالنظام التركي يقدم تنازلات غير محتملة بالنسبة إلى مجتمعنا كتقرير فصل الدين عن السياسة؛ فقد صرح حزب الوفد مثلًا عبر سلسلة من المقالات بأن تحكيم الشريعة قضية عقدية، في الوقت الذي نجد فيه بعض الإسلاميين يعلنون قبولهم للنموذج التركي الذي يقرر قبول العلمانية، وأنها مقدمة في كل شيء، والدولة المدنية والديمقراطية على أصولها، بل من المنتسبين إلى العمل الإسلامي من يعتبر تحكيم الشريعة قضية فرعية.
والحق أن النظام العلماني الصريح أقل ضررًا من النظام الذي يسمي نفسه إسلاميًّا، وتقوم عليه رموز إسلامية، وهو في الحقيقة يقرر فصل الدين عن الحكم، ويعطي غير الله حق التشريع!
نقول: إنه إذا صحت عقيدة الناس في شمول الإسلام، وأن الحكم لله مع مخالفة النظام لذلك، أهون وأخف ضررًا من أن تتبدل عقيدة الناس في هذه الثوابت، مع كون النظام يرفع شعار الإسلام ظاهرًا وهو يخالفه على الحقيقة.
أقول: هناك أطروحات جديدة تؤثر على الواقع المستقبلي -بلا شك-. ونحن قلنا: إننا سندافع عن عقيدتنا في إفراد الله تعالى بالحكم والتشريع بكل الوسائل المتاحة.
لا شك أنه لا يقبل في مثل هذا الظرف أن يكون لنا مساحة من التأثير ولنا وجود في واقع الحياة المصرية الاجتماعية والسياسية، ثم لا نستغل هذا الوجود في محاولة منع التدهور في قضية تحكيم الشريعة ومحاولة تفعيل المادة الثانية من الدستور، وحث المجلس النيابي المصري على أن يطبق ما هو ملزم به بأن يوحِّد مصدر التشريع طبقًا لنص المادة الثانية: "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي". وكذلك بمراجعة ما سلف من قوانين قبل التعديل الدستوري.
وإذا كان الدستور الجديد سيكتب عبر الانتخابات القادمة فالمطلوب هو تفعيل المادة الثانية والمحافظة عليها، ومطلوب تقليل الشر والفساد، ومطلوب تكثير الخير والصلاح واحتمال حصول ذلك احتمال وارد؛ فما الذي يمنعنا إذًا من المشاركة السياسية؟!
نقول: بعد تغير الظروف والأحوال في بلادنا وفي بلاد أخرى تغيرت الفتوى مع بقاء التأصيل الشرعي للمسألة كما هو لم يتغير، وذلك أن العمل السياسي المقبول شرعًا هو المبني على البراءة من المبادئ الكفرية والمخالفة للشريعة، والاجتهاد في تحصيل أكبر قدر من المصالح ودفع أكبر قدر من المفاسد بميزان الشريعة، فكان تغير الفتوى بتغير الأحوال أمرًا غير مستنكر. وبعد التشاور في الاحتمالات القادمة وجدنا أن احتمال حصول قدر من المكاسب للعمل الإسلامي بالمشاركة، ودفع قدر كبير من المفاسد، أصبح يمكن أن يتحقق بإذن الله -تبارك وتعالى-، ولا شك أنه لن يكون على حساب العمل الدعوي التربوي التعليمي، والذي يعلم الناس الدين الذي هو منهج الدعوة في التغيير، لكنه إضافة للعمل الدعوي في مجالات جديدة.
سيقول القائلون: ما ستصنعون في واقع غير إسلامي؟
هناك مطالب بالدولة المدنية، والمواطنة، والديمقراطية، وموقف غير المسلمين ووضع المرأة والتعاملات الدولية؛ خاصة مع إسرائيل، والتحديات الداخلية.
بالطبع كل واحدة من هذه القضايا لها بفضل الله -¸- عندنا تصور محدَّد، لكن في الجملة نقول: القضية أننا نعرف الفرق جيدًا بين الواقع الممكن وبين المطلوب المشروع.
ولعلكم لاحظتم هذا في أول بيانات الدعوة أثناء الثورة فيما يتعلق بقضية التغيير السياسي في البيان رقم 3 في أثناء الثورة؛ قلنا: إننا نبحث عن الممكن من التغيير.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.