الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 23 فبراير 2026 - 6 رمضان 1447هـ

تجديد الإيمان بآيات الرحمن من سورة البقرة (5)

كتبه/ أحمد حرفوش

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالغاية من ضرب المثل في القرآن الكريم: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب في النفس؛ قال -تعالى-: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) (العنكبوت: 43).

وفي سورة البقرة ضرب الله -تعالى- مثلين للمنافقين وضح فيهما خسارتهم الفادحة، فقال -تعالى-: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ . صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ . أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ . يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 17-20). أي: مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد نارًا ليستدفئ بها ويستضيء، فما اشتعلت حتى انطفأت، وتركته في ظلام دامس وخوف شديد.

(فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) أي: فلما أنارت المكان الذي حوله فأبصر وأمن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ذهب الله بنورهم أي أطفأهم الله بالكلية، فتلاشت النار وعدم النور (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا؛ ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة.

(صُمٌّ) جمع أصم وهو الذي لا يسمع، والمعنى: هم كالصم لا يسمعون خيرًا. (بُكْمٌ) جمع أبكم، وهو الأخرس الذي لا ينطق؛ والمعنى: كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم. (عُمْيٌ) جمع أعمى وهو الذي فقد بصره، والمعنى: أنهم كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله. (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) أي: لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.