كتبه/ أحمد مسعود الفقي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد روي عن الحسن البصري -رحمه الله- أن رجلًا قال: إن فلانًا قد اغتابك، فبعث إليه طبقًا فيه رطب وقال: بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام. (تنبيه الغافلين).
فهذه الدنيا مهما بلغت فهي حقيرة، وكل متاع فيها مهما كثرت إغراءاته وتنوعت مشاربه فهو لا يساوي عند الله جدي أسك ميت، بل لا يساوي جناح بعوضة؛ عن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: (أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟) فقالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ ثم قال: (أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟) قالوا: والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ) (رواه مسلم). الأسكّ: قصير الأذن.
وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فعاشوا -رضي الله عنهم- في هذه الدنيا لله وبالله، عرفوا حقيقتها فلم تغرهم كما غرت غيرهم، ولم ينخدعوا بها كما انخدع بها غيرهم.
من أجل ذلك وغيره كثير؛ كانوا أطيب الناس حياةً، وأهنأ الناس عيشًا، ينعمون بحياة طيبة في أمن وسكينة وراحة بال، قال -تعالى-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل: 97).
وللحديث بقية بمشيئة الله -تعالى-.