الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الثلاثاء 06 يناير 2026 - 17 رجب 1447هـ

المأسور من أسره هواه (1)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فتذكر كلمة السجن أو الحبس أو الأسر فتنصرف أذهاننا إلى غرفة مظلمة أو ذات ضوء خافت، بابها مغلق، قليلة المرافق، شديدة الرطوبة، ينام ساكنها على الأرض بلا فراش ولا غطاء أو بفراش خفيف وغطاء لا يكفي، حيث يمنع الإنسان من التحرك خارج الأسوار؛ فلا يلتقي بأحد ولا يدخل إليه أحد إلا بإذن وتصريح، لكن هناك أنواع أخرى من السجن أو الحبس أو الأسر هي أشد وأخطر من غيرها، ومع خطورتها لا يتفطن إليها كثير من الناس.

وقد عبَّر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في عبارة له هي حكمة بالغة يسطع بين حروفها نور الاستضاءة بالوحي، نقلها عنه تلميذه ابن القيم -رحمه الله- فقال: "وقال لي مرة: المحبوس من حُبِس قلبه عن ربه -تعالى-، والمأسور من أسره هواه" (الوابل الصيب).

إنه يشير إلى أنواع من السجن أو الحبس أو الأسر يقع فيها أعداد كثيرة تفوق أعداد المحبوسين والمأسورين بين الجدران المغلقة؛ إنه يقصد محبوسين من نوع آخر، وأسرى بطريقة مختلفة؛ إنهم محبوسون قد حبست قلوبهم عن الله، وأسرى غلت قلوبهم بأغلال الهوى.

وأعظم الخلق حبسًا هم الكفار والمشركون، قال -تعالى-: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) (البقرة: 88)، وقال سبحانه: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) (فصلت: 5)، وقال عز وجل: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24)؛ يقول -تعالى- آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيًا عن الإعراض عنه: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه" (تفسير ابن كثير)، "قد أغلق على ما فيها من الإعراض والغفلة والاعتراض، وأقفلت فلا يدخلها خير أبدًا" (تفسير السعدي)، فقلوب هؤلاء محفوفة بقفل يحبسها عن الله وعن الانتفاع بما أنزله على الرسل.

والمأسورون للهوى أنواع أيضًا؛ فمنهم من بلغ به القيد مبلغًا فصار في أعلى درجات الأسر، وهم الكفار الذين قال الله في بعضهم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الجاثية: 23). قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه؛ لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال آخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه. (ينظر: تفسير البغوي). فهو واقع في أسر الهوى.

ويدخل في هذا الحبس الكلي والأسر العظيم: المنافقون الذين ظاهرهم النور، لكن باطنهم الظلمة؛ يظهرون للناس الإسلام وكأنهم متحررون من العبودية لغير الله فيما يظهرون، لكن حقيقة باطنهم أنهم محبوسون عن الله، وأنهم مأسورون لأهوائهم. 

ومن أنواع الحبس والأسر: أسر البدعة والانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، فأهل البدع والأهواء تركوا الحجج من القرآن والسنة وما كان عليه الصحابة والسلف، واتبعوا أهواءهم، ووقعوا في أسر البدعة؛ بسبب ما زخرفته عقولهم أو بسبب ما زينته لهم أذواقهم؛ فيقع بعضهم مثلًا في بدع العقائد بسبب علم الكلام المعتمد على الشبه العقلانية، ويقع آخرون منهم في بدع العقائد والعبادات والمقامات والأحوال والأذكار بسبب وقوعهم أسرى لأذواقهم، وهكذا.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.