كتبه/ علاء بكر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان نفوذ الدول التي استقلت عن الدولة العباسية في مرحلة ضعفها بعد منتصف القرن الثالث الهجري في إيران وغيرها يتفاوت بتفاوت قوة حكامها، لكنهم كانوا يدينون من الناحية الشكلية للخليفة العباسي في بغداد باعتباره إمام المسلمين، وبالتالي فموافقته على إقامة دولتهم تعطيهم صفة شرعية أمام الناس، لذا كانوا حريصين على الظفر بموافقة الخليفة العباسي على ضعفه، وعلى كونهم مستقلين استقلالًا يكاد يكون تامًّا في إدارة الدول التي يحكمونها.
دولة المغول:
المغول من القبائل التركية البدوية الوثنية التي كانت مقيمة في وسط آسيا، فلما تولى (جنكيزخان) قيادتهم في أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) وحَّد صفوفهم وتحرك بجيش كبير فاستولى على الصين، وبلغ في عام (596 هـ - 1199م) حدود الدولة الخوارزمية التي أسقطت دولة السلاجقة من قبل، فاجتاحها واستولى على بخارى وسمرقند وبلخ ومرو ونيسابور.
وبعد وفاة جنكيزخان في عام (625 هـ - 1228م) قاد خليفته (جرماغون) المغول فتقدم بهم في الأراضي الإيرانية، حيث استطاع الوصول إلى شمال غرب إيران والعراق ليهدد مقر الخلافة في بغداد. وفي عام (656 هـ - 1258م) تمكن القائد المغولي (هولاكو) الذي قاد المغول بعد جرماغون من اكتساح وتخريب بغداد، وقام بقتل (المستعصم بالله) آخر الخلفاء العباسيين. ثم حاول هولاكو بسط سيطرته على بلاد الشام ومصر، لكنه هزم هزيمة نكراء أمام المصريين في موقعة (عين جالوت) في عام (658 هـ - 1260م)، وهي الهزيمة التي كبحت جماح المغول، فارتدوا إلى الشمال الغربي من إيران. ومع استقرار المغول في إيران اتخذوا مدينة (السلطانية) عاصمة لدولتهم، واتخذ هولاكو لقب (إيلخان)، لذا سميت دولة المغول باسم دولة (الإيلخانيين).
ورغم وثنية المغول فقد ظلت الصبغة الإسلامية السنية هي السائدة في إيران حتى بعد سقوط الخلافة العباسية، بل إنَّ قوة الحضارة الإسلامية المستقرة في إيران لم تلبث أن أثرت في المغول فغيرت بعضًا مما كانوا عليه في عاداتهم وتقاليدهم ومعتقداتهم الدينية. وبعد استقرار المغول في إيران استخدموا الإيرانيين في الوظائف والمناصب الإدارية المختلفة.
في عام (680 هـ - 1281م) اعتنق (تكودار) قائد المغول الإسلام، وسمى نفسه أحمد، فأصبح حكام المغول من رعاة الحضارة الإسلامية السنية، ونشطت العلوم والفنون وكثر الإنتاج الأدبي. وسرعان ما تحول المغول إلى دين الإسلام، وتركوا وثنيتهم وصاروا من حماة الإسلام.
الدولة التيمورية:
خلف التيموريون المغول في السيطرة على إيران، وهم من الأتراك المسلمين الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي)، بقيادة قائدهم (تيمور)، حيث تمكنوا من الاستيلاء على جميع أجزاء إيران، كما سيطروا على جزء من التركستان وجزء من الهند، وهاجموا العراق والشام وتمكنوا من الاستيلاء على حلب. وقد اتخذ تيمور (سمرقند) عاصمة لدولته. لكن فقدت الدولة التيمورية تماسكها بعد وفاة مؤسسها تيمور في عام 807 هـ ، وتنازع أبناؤه من بعده، فاستفادت قبائل تركية مقيمة في القسم الشمالي الغربي من إيران من هذا التفكك، فاقتطعت أجزاءً من ممتلكات الدولة التيمورية، منها أذربيجان والإقليم الغربي من إيران، بينما احتفظ أبناء تيمور بحكم الإقليم الشرقي من إيران حتى عام 911 هـ.
ورغم سقوط الدولة العباسية السنية فقد ظلت إيران مصطبغة بالصبغة السنية مدة قرنين ونصف قرن قبل ظهور الدولة الصفوية الشيعية.
الدولة الصفوية الشيعية:
اعتنقت بعض القبائل التركية الموجودة في منطقة أذربيجان بعد سقوط الخلافة العباسية مذهب الشيعة الإمامية، وجنحت إلى التصوف فاتبعت فرقة صوفية تسمى (الفرقة الصفوية) نسبة إلى مؤسسها (صفي الدين الأردبيلي) الذي عاش في المدة من 650هـ إلى 735هـ، والذي استطاع أحد أحفاده، وهو (إسماعيل الصفوي) الذي ترأس هذه الفرقة، أن يستولي على مدينة (تبريز) عاصمة إقليم أذربيجان في (906هـ - 1500م)، ويعلن قيام دولة جديدة سميت بالدولة الصفوية نسبة إلى جده الأكبر صفي الدين، ثم أعلن في العام التالي (907هـ) أنَّ المذهب الشيعي الإمامي هو المذهب الرسمي للدولة، فكانت رسميًّا أول دولة شيعية إمامية في إيران.
اتخذ (إسماعيل الصفوي) الذي عاش من عام (892هـ إلى عام 930هـ) من (تبريز) عاصمة لدولته، واتخذ لقب الشاه -أي: الملك- لقبًا له؛ فأخذت الصبغة الشيعية من ذلك الوقت تنتشر في سائر إيران، وصارت هي الغالبة على مظاهر الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية والأدبية إلى يومنا هذا، حيث تمكن إسماعيل الصفوي خلال اثني عشر عامًا من السيطرة على سائر أنحاء إيران، واستتب له الأمر فيها، فأخذ ينشر فيها مذهبه الشيعي الذي يتعصب له، بالضغط والإكراه تارةً، وبمحاولات الإقناع والاستمالة تارةً أخرى، فغيَّر مذهب الإيرانيين من المذهب السني إلى المذهب الشيعي. تطلع الصفويون إلى غزو العراق للاستيلاء عليه لوجود أماكن مقدسة عند الشيعة في العراق.
لذا فسرعان ما دخلت الدولة الصفوية في عداء وصراع مع الدولة العثمانية السنية التي كانت في عنفوانها بقيادة السلطان سليم الأول، إذ بسطت نفوذها على بلاد البلقان، وخضع لها اليونانيون والرومانيون والبلغار والصقالبة والألبانيون، وتوغلت جيوشها في وسط أوروبا. رأت الدولة العثمانية في فرض الدولة الصفوية لمذهب الشيعة الإمامية خطرًا يهددهم، فإلى جانب الخلافات المذهبية بين الفريقين فإنَّ الدولة الصفوية صارت تمثل حاجزًا يفصل بين أهل السنة في وسط آسيا وأفغانستان والهند وبين أهل السنة في العراق وتركيا ومصر، فعاد العثمانيون بأبصارهم إلى آسيا بعد أن كانوا يتطلعون إلى وسط أوروبا.
اشتبك الطرفان في عام (920هـ - 1514م) في معركة (جالديران) في ديار بكر، في منطقة وسط بين إيران وتركيا، وانتهت المعركة بانتصار ساحق للعثمانيين، ترتب عليه تمزيق جيش الشاه إسماعيل الصفوي الذي هرب إلى تبريز عاصمة ملكه. واصل السلطان العثماني سليم الأول زحفه حتى دخل تبريز عاصمة الصفويين، وهرب إسماعيل الصفوي إلى وسط إيران. اكتفى العثمانيون بما حققوه، وآثروا الانسحاب من الأراضي الإيرانية، خاصةً مع انتشار مرض الملاريا في منطقة أذربيجان في فصل الخريف وإصابة جنود عثمانيين بهذا المرض، إلى جانب تعرضهم للبرودة الشديدة في فصل الشتاء. ولم يكن انتصار العثمانيين في (جالديران) حاسمًا، وتبعه سير العثمانيين على العراق ومصر وشمال إفريقيا، فأعادوا عصر الخلافة السنية وصاروا هم ممثليها، واكتفوا بمحاصرة الخطر الصفوي في العراق دون حسم أمره.
ظلت العداوة بين الصفويين والعثمانيين، إذ كان الصفويون الشيعة في نظر العثمانيين السنة خارجين على إجماع المسلمين، مما جعل هناك حروبًا متلاحقة بين الطرفين كانت فيها كفة العثمانيين هي الأرجح طوال القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي).
لما تولى الشاه عباس الأول الصفوي حكم الدولة الصفوية انتهج سياسة التحالف مع الأجانب غير المسلمين في مواجهة العثمانيين، وقد ظل عباس الأول في حكم إيران من عام (996 هـ - 1587م) إلى عام (1038هـ - 1629م)، ولشدة عداوته للعثمانيين استعان بخبرة الإنجليز في تدريب الجيش الإيراني وتسليحه بإنشاء مصنع لإنتاج المدافع، مما مكنه من التصدي والصمود أمام العثمانيين، والانتقال من حالة الدفاع إلى حالة الهجوم. وفي عهد عباس الصفوي غزا الأتراك الأوزبكيون السنيون إيران من الشرق وبسطوا سيطرتهم على إقليم خراسان وعلى هراة ومشهد، بينما غزا الأتراك العثمانيون في الوقت نفسه إقليم أذربيجان وسيطروا عليه.
فاضطر عباس الصفوي إلى عقد معاهدة صلح مع العثمانيين أقر لهم فيها بسيطرتهم على الأراضي التي سيطروا عليها، ثم استدار بعدها لقتال الأوزبكيين حتى أجلاهم عن خراسان والأراضي التي كانوا قد سيطروا عليها، ثم تفرغ بعدها لمحاربة العثمانيين، فنقض معاهدة الصلح المبرمة معهم، وتمكن من استرداد إقليم أذربيجان، ثم تقدم صوب الأراضي التركية واستطاع السيطرة على إقليمي أرمينية وجورجيا، وبذلك رجحت -ولأول مرة- كفة الصفويين الشيعة على العثمانيين السنيين بعد تفوق للعثمانيين دام قرنًا من الزمان.
تحالف عباس الصفوي مع الدول الأوروبية التي كانت قد دخلت عصر النهضة تحالفًا عسكريًّا في مواجهة الدولة العثمانية، فمنح الإنجليز امتيازات تجارية في منطقة الخليج مقابل تعهدهم بالوقوف إلى جانب الصفويين في قتالهم للعثمانيين؛ إذ تلاقت مصالح الأوروبيين مع مصالح الصفويين في إضعاف الدولة العثمانية القوية ومحاولة تحطيمها.
وللتودد إلى الأوروبيين منح عباس الصفوي امتيازات للسائحين الأوروبيين للإقامة والتنقل والتجارة بحرية في أصفهان عاصمة ملكه، مما ساعد على تواجد واستقرار نفوذ الأوروبيين الطامعين في المنطقة، وأثر بدوره في توجيه الأحداث السياسية والاقتصادية في المنطقة بعد ذلك، وظلت آثار ذلك ممتدة إلى ما بعد ضعف الدولة الصفوية وضعف الدولة العثمانية، مما سهل سقوط بلاد المسلمين في المنطقة فريسة بين مخالب الأوروبيين المستعمرين.
اهتم عباس الصفوي بالعمارة في عاصمته أصفهان، كما أبدى اهتمامًا كبيرًا بمزار (علي الرضا) الإمام الثامن عند الشيعة الإمامية في مدينة (مشهد)، فزيَّنه بالنقوش وطلى قبته بالذهب الخالص، وطعم أبوابه ونوافذه وهيكل القبر بالجواهر الثمينة، فجعله من الآثار الجميلة المبهرة ليبهج الزائرين للمزار. ثم حج بنفسه إلى مشهد من عاصمة ملكه أصفهان سيرًا مئات الأميال على الأقدام، داعيًا الشيعة إلى الاقتداء به في الحج إلى مشهد وزيارة قبر الإمام علي الرضا، فصار كثير من الشيعة يكتفون بالحج إلى مشهد عن الحج إلى الكعبة وزيارة بيت الله الحرام.
وقد منح عباس الصفوي رجال الدين الشيعي وأئمته امتيازات كثيرة وميَّز طبقتهم، فصار لها نفوذ وجاه، ثم إنهم سعوا إلى إرضاء العوام واستمالتهم؛ فروجوا الكثير من الخرافات والأساطير لتدعيم معتقدات الشيعة في المسائل الدينية التي يخالفون فيها أهل السنة، ولجأوا إلى بث الأحاديث الموضوعة المنسوبة كذبًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأئمة البيت لترويج ذلك، مع التفاسير المضللة لآيات القرآن الكريم، مما أدى إلى انتشار البدع والأباطيل بين الشيعة هناك. وقد ظفر عباس الصفوي بحب عوام الشيعة فأطلقوا عليه لقب (الكبير)، فلا يُذكر في كتبهم حتى الآن إلا متبوعًا بهذا اللقب تقديرًا لأعماله وإعجابًا بشخصيته.
تعرضت الدولة الصفوية للضعف بعد وفاة عباس الصفوي، وانتقل زمام الأمور مع الوقت إلى كبار رجال الدين الشيعي. وبلغ ضعف وفساد الدولة الصفوية مداه في عهد الشاه (سلطان حسين الصفوي) الذي حكم من عام (1106هـ - 1694م) إلى عام (1135هـ - 1722م).
تقدمت قبائل أفغانية سنية وغزت الأراضي الإيرانية فاستولت على إقليم كرمان، ثم دخلت العاصمة أصفهان، وأجبرت الشاه (سلطان) على التنازل عن العرش لـ(محمود بن ميروس) قائد تلك القبائل الأفغانية. وقد أغرى ضعف الصفويين روسيا القيصرية النصرانية باحتلال بعض الأراضي الإيرانية، منها السواحل الغربية والجنوبية لبحر قزوين والسيطرة عليها، كما قام العثمانيون السنيون بالسيطرة على الأراضي الإيرانية الغربية.
الدولة الأفشارية:
استطاع رجل من طائفة الأفشار الشيعية يدعى (نادر قلي) بجيش من قبيلته الاستيلاء على إقليم خراسان، واستطاع في مدة وجيزة أن يصبح أقوى شخصية في إيران، حيث تمكن من إجلاء الأفغان والروس والعثمانيين عن الأراضي التي كانوا قد بسطوا نفوذهم عليها، وتمكن من توحيد إيران من جديد، وأعلن عن قيام دولة شيعية جديدة هي الدولة الأفشارية، وأعلن نفسه في عام 1148هـ ملكًا على إيران، واتخذ لقب الشاه.
استطاع نادر شاه أن يغزو بلاد الهند في عام (1149هـ - 1736م) حتى بلغ عاصمتها (دلهي)، وتوغل وهو في طريقه إلى الهند في قندهار وغزنة وكابل في أفغانستان. كما أنه مد نفوذه إلى بخارى وبلاد الأوزبكيين، وسعى لبناء أسطول إيراني في الخليج، وبسط سيطرته على البحرين في عام (1151هـ - 1738م)، وسار في عام (1156هـ - 1743م) إلى العراق فاستولى على الموصل ثم البصرة.
حاول نادر شاه أن يخفف من حدة الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة، فأمر بعدم سب الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- فوق المنابر، وفاوض العثمانيين في الاعتراف بالمذهب الشيعي الإمامي مذهبًا خامسًا معتبرًا يضاف إلى المذاهب الأربعة المعترف بها، وهو ما رفضه العثمانيون من جهة، وأثار عليه الإيرانيين المتعصبين من جهة أخرى، ولم تفده كل الانتصارات التي حققها شيئًا، وانتشرت الفتن في أنحاء إيران، وانتهى الأمر باغتيال نادر شاه في عام (1160هـ - 1747م)، وتوقفت دعوته لتخفيف حدة الاختلافات بين الشيعة والسنة.
سادت الفوضى إيران بعد مقتل نادر شاه، وكثرت الحروب الداخلية بين القبائل فيها، حتى تمكنت قبيلة الأفشار من السيطرة على أصفهان وشيراز وأكثر الأجزاء الجنوبية من إيران.
الدولة الزندية:
تمكن (كريم خان الزندي) من اتخاذ مدينة شيراز عاصمة له، وأعلن عن قيام الدولة الزندية، حيث اهتم بالعمارة فأنشأ كثيرًا من القصور والمساجد التي لا تزال قائمة إلى الآن شاهدة على رقي الحضارة الإيرانية في ظل الدولة الزندية.
الدولة القاجارية:
تمكنت طائفة القاجار من أن تسيطر على إقليم مازندران بعد مصرع نادر شاه، وحاولت الوصول إلى المناطق الجنوبية من إيران، لكن (كريم خان الزندي) تصدى لهم ومنعهم من ذلك. فلما توفي كريم خان استطاع القاجار بقيادة زعيمهم (آقا محمد) أن يبسطوا نفوذهم على وسط إيران، حيث استولوا على طهران واتخذوها عاصمة لدولتهم، الدولة القاجارية، فكان (آقا محمد) أول ملوكها، وقد استطاعت الدولة القاجارية بعد قيامها أن تسقط الدولة الزندية، وأن تبسط سيطرتها على سائر الأراضي الإيرانية. وقد ظلت تلك الدولة تحكم إيران إلى أن أسقطها رضا بهلوي في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي، وإن ظلت طهران من وقتها إلى الآن عاصمة إيران.
وقد شهد عصر الدولة القاجارية تزايد النفوذ الغربي في إيران، خاصةً بعد مقتل آقا محمد مؤسس الدولة القاجارية في عام (1212هـ - 1797م) وتولي ابن أخيه (فتح علي شاه)، حيث تنافست إنجلترا وفرنسا وكذلك روسيا القيصرية على الظفر بمزيد من مناطق النفوذ في إيران.
استمر حكم فتح علي شاه إلى عام (1250هـ - 1834م)، وخلال حكمه بسطت روسيا سيطرتها على الأجزاء الشمالية من إيران، وحاولت إنجلترا بسط نفوذها على الأجزاء الجنوبية، بينما وثقت فرنسا صلاتها بإيران حتى يسمح لها ملكها فتح علي شاه بالعبور من الأراضي الإيرانية لضرب مصالح إنجلترا في شبه القارة الهندية.
وفي ظل مواجهة إيران لأطماع قوى أجنبية أكبر من قوتها فقد اضطربت سياستها وتناقضت، فقد عقد فتح علي شاه تحالفًا مع فرنسا في عام 1222هـ تقبل فيه إيران السماح للجيش الفرنسي بالمرور عبر أراضيها لغزو الهند، في مقابل تعهد فرنسا بإمداد إيران بالأسلحة الحديثة وتدريب جيشها على استعمالها للوقوف في وجه الزحف الروسي على أجزاء إيران الشمالية، ولكن فتح علي لم يلبث أن رضخ لطلب إنجلترا لضعفه وخوفه منها بإبرام معاهدة مع إنجلترا وافق فيها على عدم السماح للجيش الفرنسي باستعمال الأراضي الإيرانية، مقابل قيام إنجلترا بتدريب وتسليح الجيش الإيراني لمواجهة روسيا. فزادت تلك المعاهدة من نفوذ إنجلترا في إيران، ودفعت فرنسا إلى التخلي عن مساعدة إيران.
وتتابعت الحروب بين إيران وروسيا القيصرية، وكانت كفة روسيا هي الراجحة، ولم تؤد معاهدة إيران مع إنجلترا إلى تقوية إيران في وجه الغزو الروسي للأراضي الإيرانية أو التقليل من خطره:
ففي عام (1229هـ - 1813م) وبعد حرب بين إيران وروسيا عقدت معاهدة (كلستان) اعترفت فيها إيران بحق روسيا في امتلاك إقليم جورجيا.
وفي عام (1242هـ - 1826م) وبعد حرب بين إيران وروسيا عقدت بينهما معاهدة (تركمان جاي) تنازلت بمقتضاها إيران لروسيا عن إقليمي (أريوان) و(نخجوان)، مع إعطاء روسيا حق الملاحة والرقابة الحربية على بحر قزوين، ومنح روسيا امتيازات كثيرة اقتصادية وجمركية وتجارية، مع حرية التنقل للتجار الروس في الأراضي الإيرانية، مما جعل لروسيا القيصرية نفوذًا يفوق غيرها من الدول الأجنبية الأخرى.
ازداد الأمر سوءًا واضطرابًا مع حكم من خلفوا فتح علي شاه، وعظم النفوذ الأجنبي في إيران خاصةً النفوذ الروسي.
في عام 1907م اتفقت إنجلترا وروسيا على تقسيم إيران إلى منطقتي نفوذ، يكون القسم الشمالي من إيران تحت النفوذ الروسي ويمتد هذا القسم إلى طهران وأصفهان، وينحصر القسم الخاضع للنفوذ الإنجليزي الأصغر مساحةً في الركن الجنوبي الشرقي من إيران وبخاصة منطقة الخليج العربي، وجعل المنطقة بين القسمين منطقة محايدة.
عند قيام الحرب العالمية الأولى أعلنت إيران حيادها. وبعد انتهاء الحرب قبلت إيران معاهدة مع إنجلترا في عام 1920م تنص على احترام استقلال إيران لكن تجعلها تحت سيطرة إنجلترا، ومع اعتراض أمريكا على المعاهدة وثورة الشعب الإيراني عليها اضطر أحمد شاه بن محمد للتراجع ورفض المعاهدة. وفي عام 1921م أبرمت روسيا السوفيتية معاهدة صداقة مع إيران تساهل فيها الجانب الروسي بإسقاط الديون والتنازل عن الامتيازات الأجنبية.
الدولة البهلوية:
ونتيجة لاضطراب الأوضاع تفجرت ثورة شعبية في عام 1921م شاركت فيها القوات المسلحة بقيادة (رضا خان)، الذي تمكن من الإمساك بقيادة الأمور، ثم صار رئيسًا للوزراء في عام 1923م، فازداد قوةً، وتمكن من إقصاء أحمد شاه آخر ملوك الدولة القاجارية، واعتلى هو عرش البلاد، وسمى نفسه رضا شاه بهلوي، وأعلن قيام دولة جديدة هي الدولة البهلوية. حاول رضا شاه الوقوف في وجه النفوذ الأجنبي في إيران، والقضاء على مظاهر الشيوعية التي كان ينفر ويخشى انتشارها في إيران. كما حاول أن يغير النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن ينشئ جيشًا حديثًا، وأن يحد من نفوذ رجال الدين. وساد الحكم الدكتاتوري في إيران في عصره حتى قامت الحرب العالمية الثانية في عام 1939م فأعلن رضا شاه حياد إيران، ولكنه احتفظ بعلاقات ودية مع ألمانيا.
ولأهمية إيران الإستراتيجية قامت إنجلترا وروسيا المتحالفتان معًا في أغسطس من عام 1941م بغزو إيران واحتلالها بالقوة بعد مهاجمة ألمانيا لروسيا، وأُرغم رضا شاه على التنازل عن العرش لابنه محمد رضا، ونُفي خارج إيران.
خضع محمد رضا شاه، وكان في الثانية والعشرين من عمره، للنفوذ الأجنبي الذي يحتل بلاده، وأعلن تأييده للحلفاء في حربهم ضد ألمانيا، وأصبحت إيران أرضًا مفتوحة أمام قوات الحلفاء، فوفدت على إيران قوات أمريكية في ديسمبر 1942م.
ورغم جلاء قوات الاحتلال عن إيران عام 1946م لكن نفوذها استمر، واستطاعت أمريكا أن تجعل نفوذها يطغى على النفوذ الروسي والإنجليزي هناك. ودفع ولاء محمد رضا للغرب إلى مقاومة الحركة الوطنية وإسقاط وزارة الدكتور محمد مصدق رئيس الوزراء الذي انتهج سياسة وطنية عارضتها أمريكا. تحولت إيران إلى منطقة نفوذ للغرب، وانضمت إلى الحلف المركزي، وتحالفت تحالفًا عسكريًّا ثنائيًّا مع أمريكا. وفي عام 1979م استطاعت القوى الوطنية مجتمعة بقيادة الزعيم الديني آية الله الخميني إسقاط عرش محمد رضا، الذي اضطر للخروج من إيران، وسرعان ما وافته المنية وتوفي خارجها.
وهكذا نرى إجمالًا أنه رغم تغير الدول الحاكمة في إيران بعد الدولة الصفوية التي جعلت المذهب الشيعي الإمامي المذهب الرسمي للدولة، فإنَّ التعصب للمذهب الشيعي الإمامي ظل هو الذي يوجه سياسة إيران داخلها وخارجها، وظهرت آثار هذا التعصب الشيعي في جوانب الحياة المختلفة، وما زالت آثاره ملموسة إلى الوقت الحاضر خاصةً بعد قيام ثورة الخميني في إيران.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.