الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 18 مايو 2026 - 1 ذو الحجة 1447هـ

تحذير الوالدين من التخبيب بين الزوجين (2)

كتبه/ نصر رمضان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فيكفي في التنفير من جريمة تخبيب المرأة على زوجها -أي: إفسادها عليه- والزوج على زوجته؛ أن الذي يسعى بين الناس بهذا الفساد يتلبَّس بفعلٍ هو مِن أحب الأشياء إلى إبليس، وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ) (رواه مسلم)؛ أي: يسعى بينهم بالخصومات والشحناء.

فكل من حرش بين اثنين من بني آدم فهو من حزب الشيطان ومن أشر الناس؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (شِرَارُكُمُ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني) يعني: الذين يلحِقون بالأبرياء الضرر والتهم.

وقد سئل شيخ الإسلام -رحمه الله- عن رجل متزوج ووالدته تكره الزوجة، وتشير عليه بطلاقها، هل يجوز له طلاقها؟

فأجاب -رحمه الله-: "لا يحل له أن يطلقها لقول أمه؛ بل عليه أن يبر أمه، وليس تطليق امرأته من برها، والله أعلم... وإذا كانت الأم تريد التفريق بينها وبين زوجها؛ فهي من جنس هاروت وماروت، لا طاعة لها في ذلك، ولو دعت عليه".

وفي (مطالب أولي النُّهى): "ولا تجب على ابن طاعة أبويه ولو كانا عدلين في طلاق زوجته؛ لأنه ليس من البر".

وفي (الآداب الكبرى): "فإن أمره أبوه بطلاق امرأته، لم يجب، ذكره أكثر الأصحاب، وسأل رجل الإمام أحمد، فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق امرأتي، فقال: لا تطلقها، قال الرجل: أليس عمر أمر ابنه عبد الله أن يطلق امرأته، قال: حتى يكون أبوك مثل عمر -رضي الله عنه-".

قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته... وعلى هذا فإن أمر أبوك، أو أمك بأن تطلق امرأتك وأنت تحبها، ولم تجد عليها مأخذًا شرعيًّا؛ فلا تطلقها؛ لأن هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته".

فإذا طلب الوالدان من ابنهما طلاق امرأته؛ فإن هذه الزوجة إذا كانت أمينة على زوجها، وتحافظ على حقوق ربها، فلا يلزم الولد طاعة والديه في ذلك، وعليه أن يبقي على زوجته، ولا يستجيب لهما، وليس ذلك من العقوق في شيء؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإنما تجب الطاعة في المعروف.

وتطليق المرأة من دون ذنب منها، وعلى غير رغبة من زوجها (إثم ومعصية)، مع مراعاة أن يتم ذلك دون تجاوز مع الوالدين، أو هجرهما، لكن ينصح لهما بلين ورفق، ودوام البر بهما، وأن يخبرهما بأن فعلهما هذا يخالف أمر الله وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن أصرا على رأيهما؛ فعليه مخالفتهما، ولا إثم عليه؛ قال -تعالى-: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لقمان: 15).