الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 11 مايو 2026 - 24 ذو القعدة 1447هـ

مختصر تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي (1-3)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد مرَّ تاريخ إيران بعد الفتح الإسلامي بمرحلتين تاريخيتين متناقضتين: الأولى: غلب فيها مذهب أهل السُّنة على إيران مدة تسعة قرون متتالية، واصطبغت بالمذهب السني فيها أوجه الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية، ثم تلتها مرحلة ثانية غلب فيها مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فاصطبغت به أوجه الحياة في إيران، وهي المرحلة التي امتدت حتى اليوم.

الفتح الإسلامي لإيران:

كانت إيران عند ظهور الإسلام تحت حكم الساسانيين، وكان شعبها مقسَّمًا إلى طبقات تتفاوت فيما بينها في القدر والشرف، ويسودها نظام إقطاعي متسلط، ويؤدي أفراد الشعب ضريبة سنوية، ويحكمها حكمًا مطلقًا مستبدًّا ملك يدين بالمجوسية التي هي الدين الرسمي للبلاد. والمجوسية دين وثني يؤمن بوجود إلهين: إله للخير، وإله للشر، ولرجال الدين فيه قداسة تميزهم.

وكانت دولة الفرس تلك في إيران تمثل قوة الشرق العظمى في مقابل دولة الروم التي تدين بالنصرانية وتمثل قوة الغرب العظمى. وكانت بين هاتين القوتين العظميين صراعات وحروب. وقد بسطت دولة الفرس نفوذها على إقليم (الحيرة) الذي يعد جزءًا من شبه الجزيرة العربية، وتوجد فيه (دولة المناذرة)، التي يدين حكامها من العرب بالطاعة والولاء لملك فارس، فيؤدون له ضريبة سنوية، ويتولون حراسة قوافل التجارة الفارسية.

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد فارس (إيران) في خلافة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- (11- 13 هـ)، ووصل الفتح إلى مرحلة حاسمة في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- (13- 23 هـ)، ثم كانت السيطرة التامة على بلاد فارس كلها (إيران) في خلافة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (23- 35 هـ). وسرعان ما أقبل أهل إيران على الدخول في دين الإسلام أفواجًا طواعية واختيارًا، بعد أن لمسوا بأنفسهم ما في دين الإسلام من العدل والمساواة والرحمة والسماحة واليسر، وحسن بالفعل إسلامهم، وساهموا بعد دخولهم في دين الإسلام مع المسلمين العرب في نشر الإسلام في البلاد الواقعة بعد بلاد فارس.

بدأ الفتح الإسلامي لبلاد فارس في أواخر خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- حين عرض (المثنى بن حارثة) -رضي الله عنه-، أحد رؤساء العرب من قبيلة بني شيبان، على أبي بكر -رضي الله عنه- سوء الأحوال في إيران، وكان المثنى قد استولى على جزء من أراضي الحدود الإيرانية يسمى (السواد)، فوقف على حقيقة الأحوال في فارس، مما شجعه على التوجه إلى أبي بكر -رضي الله عنه- ليستأذنه في السماح له بغزو إيران، فنال منه الموافقة على أن يتوجه هو وقبيلته للبدء في فتح بلاد فارس تحت إمرة خالد بن الوليد -رضي الله عنه-، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- قد أرسل خالدًا لفتح (الحيرة)، ففتحها في عام 13 هـ.

استطاع المثنى -رضي الله عنه- وقبيلته فتح بعض الأراضي المجاورة لمنطقة (السواد)، ثم توفي أبو بكر -رضي الله عنه-، فخلفه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. واستمرت محاولة الفتح لبلاد فارس بتوجه جيش يقوده (أبو عبيدة الثقفي) لمحاولة دخول فارس من الجنوب الغربي من (خوزستان)، التي تقع على الخليج العربي من جهة إيران، فالتقى مع جيش الفرس في موقعة (الجسر)، التي انتهت بهزيمة جيش المسلمين ومقتل قائده.

لم تفت هذه الهزيمة في عضد المجاهدين المسلمين، فعاودوا محاولة الفتح بقيادة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-؛ الذي التقى في عام 14 هـ مع جيش للفرس كثير العدد والعتاد في موقعة القادسية، فأنزل المسلمون بالفرس هزيمة نكراء، ثم واصلوا تقدمهم نحو (المدائن) عاصمة الساسانيين، فدخلوها وسيطروا عليها. بينما فر (يزدجرد الثالث)، آخر ملوك الساسانيين، إلى داخل أراضي فارس، متوجهًا إلى مدينة (أصفهان) بعد تشتت جنود جيشه.

شجع الانتصار العظيم في موقعة القادسية والاستيلاء على (المدائن) عاصمة الساسانيين المسلمين على التقدم داخل أراضي فارس، فتمكنوا من فتح الجزء الجنوبي من إيران، بينما تقهقر (يزدجرد الثالث) إلى وسط إيران، وأخذ من هناك يجمع الجند في محاولة لاسترداد ما أخذ منه، فأرسل جيشًا لإيقاف تقدم المسلمين، فكانت معركة (جلولاء) في عام 18 هـ، والتي انتهت باندحار جيش الفرس وتقهقره.

واصل جيش المسلمين تقدمه بالتوجه صوب (أصفهان)، فحشد يزدجرد الثالث جيشًا جرارًا كثير العدد والعتاد عند (نهاوند)، وهي منطقة حصينة محاطة بالجبال العالية والمسالك الوعرة قرب أصفهان. ولما بلغ جيش المسلمين نهاوند دارت بين الطرفين معركة عنيفة في عام 21 هـ انتصر فيها المسلمون انتصارًا مبينًا، فكانت موقعة نهاوند (فتح الفتوح)، ومني جيش الفرس بهزيمة مشينة وتمزق شمله، وفر (يزدجرد الثالث) مرة أخرى إلى الشمال الشرقي من بلاد فارس، ولم تقم للساسانيين بعدها قائمة، فلم تعد لهم قدرة على مقاومة المسلمين الفاتحين الذين لم يجدوا صعوبة بعدها في السيطرة على كل أرجاء إيران.

ونظرًا لاتساع رقعة أراضي بلاد فارس (إيران) وصعوبة تضاريسها، فقد استغرق استكمال سيطرة المسلمين على كامل الأراضي الإيرانية المختلفة نحو عشر سنوات بعد معركة نهاوند، رغم أنه لم تكن هناك مقاومة من جانب الفرس، وظل يزدجرد الثالث هائمًا على وجهه إلى أن قتل في عام 31 هـ، فكانت نهاية الدولة الساسانية.

وهكذا أشرقت وغطت شمس الإسلام كل ربوع بلاد فارس، فأقبل الإيرانيون على الدخول أفواجًا في دين الإسلام طواعية واختيارًا؛ إذ إن الإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه؛ لقول الله -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 256)، وصارت إيران منذ ذلك الوقت من بلاد المسلمين، حيث صبغ الإسلام كل مظاهر الحياة البشرية فيها بالصبغة الإسلامية، وساهم الإيرانيون الذين أسلموا مع إخوانهم المسلمين العرب في الفتوحات الإسلامية لنشر دين الإسلام في الآفاق، كما ساهموا كذلك بنصيب وافر في بناء صرح الحضارة الإسلامية في مختلف العلوم والفنون.

غلبة المذهب السني على إيران:

عاشت إيران سنية المذهب في عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية والدولة العباسية، من بعد عام 21 هـ حتى قيام الدولة الصفوية في إيران في عام 907 هـ، عندما أعلن الصفويون المذهب الشيعي الإمامي مذهبًا رسميًّا لإيران.

اتبع الإيرانيون مذهب أهل السنة منذ دخول الإسلام إيران، فمع اتجاه الفتح الإسلامي من غرب إيران إلى شرقها كان انتشار الإسلام بقوة ووضوح في غرب إيران، بينما قلت صبغته كلما اتجهنا شرقًا، فكانت منطقة خراسان وما وراء النهر أقل تأثرًا من غربها. وساعد على انتشار الإسلام في إيران هجرة قبائل عربية إلى الأراضي الإيرانية والإقامة فيها، واختلاط العرب بالإيرانيين بالمصاهرة، وظهور التأثير العربي في إيران. وكانت قبيلة المثنى بن حارثة -رضي الله عنه- من أوائل القبائل التي هاجرت إلى إيران، حيث استقرت من القرن الهجري الأول في المنطقة الجنوبية الشرقية من إيران، فسميت (عربستان)، أي: بلاد العرب، أو المنطقة التي يسكن فيها العرب، والتي ظلت معروفة بهذا الاسم إلى أن غيَّر الإيرانيون فيما بعد اسمها إلى (خوزستان).

أقبل الإيرانيون على دخول الإسلام وعلى تعلم اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، وتغلغل النفوذ العربي في إيران بدرجة كبيرة، وضعفت الفارسية كلغة، وضعفت مظاهر الحضارة الفارسية كصبغة للحياة، وأصبح كثير من علماء اللغة العربية والتفسير والفقه إيرانيين من أصل فارسي. وقد تعاطف الإيرانيون مع آل البيت من نسل فاطمة وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-؛ إذ إن الحسين بن علي -رضي الله عنهما- تزوج ابنة يزدجرد الثالث، آخر ملوك الساسانيين، وأنجب منها علي زين العابدين بن الحسين -رحمه الله-. فكان مقتل الحسين -رضي الله عنه- في كربلاء في عهد يزيد بن معاوية يوم عاشوراء عام 61 هـ من أسباب تحامل الإيرانيين على الدولة الأموية، ومن أسباب انضمام إيرانيين إلى المختار الثقفي حين خرج في الكوفة في عام 65 هـ على الأمويين. كما ساهم الإيرانيون في انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيين، وكان لأبي مسلم الخراساني دوره المشهور في ذلك، فكان ذلك وراء تنامي نفوذ الإيرانيين في الدولة العباسية، فكان منهم من تولى منصب الوزارة في الدولة العباسية أكثر من نصف قرن، من عام 132 هـ حتى عام 187 هـ، أي: منذ عهد السفاح، أول خلفاء العباسيين، إلى عهد هارون الرشيد، خامس الخلفاء العباسيين، الذي قضى على نفوذ البرامكة الإيرانيين، لكن سرعان ما عاد للإيرانيين نفوذهم وتولي منصب الوزارة من جديد في عهد الخليفة المأمون بن الرشيد.

وخلال ازدياد النفوذ الإيراني في عهد العباسيين زاد امتزاج العرب والإيرانيين، وظهر جيل من المولدين، وظهرت في المجتمع الإسلامي صور من النفوذ الإيراني، بدت في امتزاج حضاري بين العرب والفرس في بوتقة الإسلام، من خلال ظهور الملابس الإيرانية في المجتمع، والاحتفال ببعض الأعياد الإيرانية القديمة. ودخلت كلمات ومصطلحات من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية، كما دخلت كلمات من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية. ولكن ظلت الصبغة السنية هي الغالبة في إيران طوال عصر العباسيين من عام 132 هـ إلى عام 656 هـ.

في عهد الخليفة العباسي المهدي ظهرت حركة زندقة كان دعاتها من الإيرانيين، فترتب على قمع الدولة لها حرق الكتب الفارسية المتبقية من تراث إيران قبل الإسلام، مما زاد من ضعف اللغة الفارسية كلغة مستعملة في الدولة، إلا في المناطق النائية البعيدة عن مركز الخلافة.

مع كون إيران كانت تابعة تبعية كاملة للخليفة العباسي، ويغلب عليها النفوذ العربي، وتدين بمذهب أهل السنة، لكن هذا النفوذ بدأ يضعف نسبيًّا خلال القرن الثالث الهجري في القسم الشمالي الشرقي من إيران، الذي تحول إلى مركز شهد حركات تمرد تسعى إلى الانفصال والاستقلال عن الدولة العباسية، فظهرت عدة دويلات مستقلة منها:

الدولة الطاهرية:

في عام 205 هـ أراد الخليفة المأمون أن يكافئ قائد جيشه طاهر بن الحسين، وكان إيرانيًّا عاونه على الانتصار على أخيه الأمين وعلى تولي الخلافة، فأسند إليه أمر (خراسان)، فانتهز طاهر هذه الفرصة فاستقل بما تحت يده، وأسس دولة سماها (الدولة الطاهرية)، التي حكمها أبناؤه من بعده أكثر من خمسين عامًا، وذلك من عام 205 إلى عام 259 هـ، وكانت هذه الدولة هي بداية ظهور الدول ذات النزعة الاستقلالية عن الدولة العباسية.

الدولة الصفارية:

أسسها يعقوب بن الليث الصفاري، الذي عينته الدولة الطاهرية واليًا على خراسان، لكنه سرعان ما أسقط الدولة الطاهرية في عام 259 هـ، وأقام دولة جديدة سماها الدولة الصفارية، حكمها هو وأولاده من بعده حتى عام 293 هـ. وقد تمكن يعقوب بن الليث، بشخصيته القوية في خراسان، من بسط نفوذ الصفاريين على كرمان وأصفهان وفارس، حتى حاول أن يغزو دار الخلافة في بغداد نفسها، لكن باءت محاولته بالفشل، لكنه ظل قويًّا مسيطرًا على المناطق الإيرانية التي تحت يده. فلما توفي في عام 265 هـ خلفه في الحكم أخوه عمرو بن الليث الصفاري.

الدولة السامانية:

ينسب السامانيون إلى (بهرام جويين)، قائد الجيش في عهد الملك الفارسي خسرو برويز. وقد ظهر منهم (إسماعيل الساماني)، الذي أخذ يناوئ الصفاريين، فبدأ صراع بين المعسكرين الساماني والصفاري، انتهى بانتصار السامانيين في عام 279 هـ، وانتزاعهم السيطرة على شرق إيران من الصفاريين، وتأسيس دولة جديدة في شرق إيران ضمت خراسان وما وراء النهر عرفت باسم الدولة السامانية. حكمها مؤسسها إسماعيل الساماني وأبناؤه وأحفاده أكثر من قرن من الزمان، من عام 279 هـ حتى عام 389 هـ.

وقد ترتب على تولي السامانيين حكم أجزاء من إيران السنية ظهور بعض مظاهر الحضارة الفارسية القديمة في نظام الحكم، وترتيب الديوان، وتأليف الكتب في مختلف العلوم والفنون باللغة الفارسية، لكن كانت كتابتها بالحروف العربية، مع امتزاجها بكلمات ومصطلحات عربية كثيرة، فأصبح ثوبها وكثير من ملامحها عربيًّا، وما زالت على هذه الصورة حتى يومنا هذا، وتسمى الفارسية الإسلامية.

وقد بلغت الدولة السامانية أوج قوتها في عصر نصر بن أحمد الساماني، فسيطرت على أقاليم ما وراء النهر وخراسان وسجستان وطبرستان والري وكرمان. ورغم أن السامانيين أحيوا كثيرًا من مظاهر الحياة الفارسية القديمة؛ إلا أنهم لم يخرجوا عن طاعة الخليفة العباسي، فكانت له السيادة عليهم، وكانوا يتبعون مذهب أهل السنة.

وتعد الدولة السامانية في نظر الإيرانيين أهم دولة في إيران بعد الفتح الإسلامي؛ إذ أحيت من جديد بعض مظاهر الحضارة الفارسية القديمة، وساعدت على رواج اللغة الفارسية إلى جانب اللغة العربية، فتفاعلت مظاهر الحضارتين الإسلامية والفارسية تفاعلًا قويًّا في ذلك العصر، وإن كانت الصبغة السنية واضحة الغلبة في إيران في تلك الفترة، لكن الإيرانيين يتعصبون للدولة السامانية، ولا يفوق تعصبهم لها إلا تعصبهم للدولة الصفوية التي جعلت بعد ذلك المذهب الشيعي الإمامي المذهب الرسمي لإيران.

خاض السامانيون عدة حروب في بلاد التركستان أسروا فيها كثيرًا من الأتراك، فاستخدموهم في خدمة القادة والوزراء وكبار رجال الدولة، وسرعان ما وصل هؤلاء الأتراك إلى مناصب الدولة العالية، فكان منهم الحجاب وقادة الجيش والمربون للأمراء، وازداد نفوذهم حتى صاروا يتدخلون في شؤون الحكم، وصارت لهم الكلمة العليا، وتمكنوا في النهاية من إسقاط الدولة السامانية، لتدخل إيران في عصر النفوذ التركي، حيث كون الأتراك دولًا قوية كان لها شأن كبير في التاريخ الإسلامي عامة، وتاريخ إيران خاصة، والتي من خلالها بلغت الصبغة السنية في إيران أزهى درجاتها وأوجها.

دور الأتراك في التاريخ الإسلامي:

كان ظهور العنصر التركي عاملًا مساعدًا في تقوية الصبغة السنية في البلاد الخاضعة لنفوذ الخليفة العباسي السني. فقد استعان الخلفاء العباسيون بالعناصر التركية منذ عهد الخليفة العباسي المعتصم بن المأمون، وذلك من عام 218 هـ إلى عام 227 هـ. وكانت أم المعتصم تركية، واستمر ذلك الوضع طوال القرن الثالث الهجري وما بعده، حتى طغى نفوذ الترك، وصار لهم دور في توجيه الأحداث في الدولة.

امتاز الأتراك لطبيعتهم البدوية بالشجاعة والتعصب لما يؤمنون به، فيدافعون عنه بقوة ولا يقبلون غيره، فتولوا حراسة الحكام، وكانوا لقصورهم حجابًا، والتحقوا جنودًا بالجيش. كما كثرت الجواري التركيات، فكن جواري في قصور الحكام والعظماء لما اشتهرن به من الجمال والجاذبية، وصارت منهن زوجات للخلفاء والسلاطين وقادة الجيش وحكام الأقاليم، وصار منهن أمهات لبعض الخلفاء والسلاطين، مما زاد من قوة ونفوذ الأتراك، الذين كانوا يدينون بالطاعة والولاء للخليفة العباسي في بغداد.

الدولة الغزنوية:

اتخذ السامانيون أيضًا العناصر التركية حتى ارتفع شأنهم فصاروا ضباطًا في الجيش لهم كلمة مسموعة. ثم بدأ تطلعهم إلى الحكم، فظهرت أول دولة تركية، وهي (الدولة الغزنوية)، في القرن الرابع الهجري. وكان (البكتين) -أول حكام الغزنويين- عبدًا تركيًّا من مماليك السامانيين الذين التحقوا بجيشهم، ثم صار من القادة، ثم أصبح حاكمًا على خراسان في عام 349 هـ، ثم بسط نفوذه على إقليم أفغانستان في عام 351 هـ، حيث أعلن تأسيس دولة جديدة تركية اتخذت مدينة (غزنة) في أفغانستان حاليًّا عاصمة لها، فنسبت إليها فسميت (الدولة الغزنوية)، وهي نسبة على الطريقة الفارسية، أمَّا نسبتها في اللغة العربية فينبغي أن تكون غزنية لا غزنوية.

وقد بلغت هذه الدولة أقصى قوتها ونفوذها في عهد السلطان محمود الغزنوي، ثالث حكام هذه الدولة وأشهر سلاطينها، حيث تمكنت من بسط حكمها على إقليم أفغانستان وما وراء النهر وخراسان وطبرستان وسجستان، فلم يعد خارج نفوذها من أقاليم إيران غير إقليمي كرمان وفارس، واستطاعت إسقاط الدولة السامانية، والقضاء على كثير من آثارها المنتسبة إليها، وأن تستولي أيضًا على كثير من ممتلكات الدولة البويهية الشيعية الإسماعيلية في هضبة إيران، ودفعهم إلى غرب الهضبة.

وقد تمكَّن السلطان محمود الغزنوي من بسط سيطرته على القسم الشمالي من شبه القارة الهندية المترامية الأطراف من خلال غزواته المتلاحقة لنشر الإسلام لأكثر من عشرين عامًا، بدأت عام 392 هـ واستمرت إلى عام 416 هـ، حتى عد في التاريخ أنه (فاتح الهند) في أواخر القرن الرابع الهجري، لكثرة فتوحاته وانتصاراته، مع تشجيعه للعلماء في مختلف العلوم والفنون، الذين اجتمعوا حوله وقدموا الكثير من الكتب في مختلف العلوم والفنون، وساهم بعدها مسلمو الهند في بناء صرح الحضارة الإسلامية في هذه البلاد منذ ألف عام من الزمان.

ويعد السلطان محمود الغزنوي من أعظم حكام المسلمين الذين ساهموا في نشر الإسلام، وقد ساعد بفتوحاته في نشر اللغة الفارسية وآدابها في بلاد الهند منذ القرن الخامس الهجري، مما ساهم في ظهور لغة إسلامية جديدة في بلاد الهند هي (اللغة الأوردية)، وهي لغة باكستان الموجودة حاليًّا في جزء من شبه القارة الهندية.

دولة السلاجقة:

شهد عصر السلطان محمود الغزنوي في أواخر القرن الرابع الهجري ظهور الأتراك السلاجقة في بلاد ما وراء النهر، ومنها انتقلوا إلى إقليم خراسان، حيث تمكنوا بقيادة (طغرل) من هزيمة السلطان مسعود الغزنوي بن السلطان محمود، ليسيطروا على خراسان، وليعلن طغرل في عام 429 هـ نفسه سلطانًا في نيسابور، وقيام دولة السلاجقة (الدولة السلجوقية)، التي تحمل الصبغة السنية وتخلص للخلافة العباسية. وقد نجح السلاجقة في بسط نفوذهم على إيران والعراق وبلاد الشام وجزء كبير من آسيا الصغرى.

ويعد خروج الأتراك من موطنهم الأصلي في وسط آسيا، وتسربهم إلى غرب آسيا وإلى شرق ووسط أوروبا، في حركة استمرت لسبعة قرون، بدءًا من القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) إلى القرن الحادي عشر (السابع عشر الميلادي)، نقطة تحول؛ باختراق الإسلام الحاجز الذي يقف بين الأتراك وبين بلاد المسلمين، فأسلموا وحسن إسلامهم، وأصبحت بلادهم من ممالك المسلمين. وقد رفع الإسلام من قدرهم، فأنعشوا المذهب السني، وأعلن السلاجقة، وهم أهم قبائل الأتراك التي تحركت غربًا، قيام دولة قوية في عام 429 هـ اعترف الخليفة العباسي (القائم بأمر الله) بها في عام 432 هـ. اهتم السلاجقة بالجهاد لنشر راية الإسلام، وتمكن طغرل الأول، الذي امتد عهده من عام 429 هـ إلى 455 هـ، من بسط سيطرته على إيران والعراق، وإسقاط الدولة البويهية الشيعية.

فائدة:

أسس علي بن بويه، وهو من الديالمة، (دولة البويهيين) في جزء من بلاد الديلم، ثم بسط نفوذه على وسط وغرب إيران، ثم تمكن البويهيون من دخول بغداد والسيطرة على مقر الخلافة العباسية في عام 334 هـ. ورغم كونهم شيعية إسماعيلية، لم يسقط البويهيون الخلافة العباسية السنية خوفًا من ثورة المسلمين في أنحاء العالم المترامي الأطراف، وجعلوا للخلفاء العباسيين سلطة روحية اسمية، بينما سيطروا هم على مقاليد الأمور في بغداد. بلغت الدولة البويهية أقصى قوتها من عام 338 هـ إلى عام 372 هـ، واتخذت من مدينتي الري وأصفهان عاصمة لها. أخذت الدولة البويهية في الضعف والانهيار بعد سيطرة العنصر التركي على الأراضي الإيرانية، وانتزع الغزنويون في عهد السلطان محمود جزءًا كبيرًا من أراضي البويهيين، ثم انتزع السلاجقة في عهد السلطان طغرل الأول الجزء الباقي من أراضيهم، وأسقطوا دولتهم في عام 447 هـ.

واصل السلاجقة في عهد السلطان (ألب أرسلان)، خليفة أرطغرل، الانتصار على الروم، فهزموهم في موقعة (ملازكرد) في عام 463 هـ، وانتزعوا أرض الأناضول من الروم، فتم بذلك التحول الكبير في منطقة آسيا الصغرى بتحولها إلى أرض تركية إسلامية تتبع مذهب السنة، ومهدوا بذلك السبيل أمام الأتراك العثمانيين فيما بعد لإسقاط دولة الروم، والتوغل في الأراضي الأوروبية حتى بلغوا (فيينا)، عاصمة النمسا.

وفي عهد ملكشاه بن ألب أرسلان، من عام 465 هـ إلى عام 485 هـ، تمكن من بسط نفوذ السلاجقة على أكثر أجزاء آسيا الصغرى وبلاد الشام، وصارت دولتهم تمتد من الهند شرقًا حتى البحر الأبيض المتوسط غربًا، ومن البحر الأسود شمالًا إلى الخليج العربي جنوبًا. لكن هذه الرقعة الواسعة تعرضت للتشتت والضعف بعد مصرع نظام الملك، وزير ملكشاه المعروف بكفاءته وحكمته، وبعد وفاة ملكشاه نفسه في عام 485 هـ، فلم يحتفظ خلفاء ملكشاه بتماسك الدولة.

الدولة الخوارزمية:

مني السلطان (سنجر) السلجوقي بهزيمة ساحقة أمام قبيلة تركية مغولية تدعى (الغز) في عام 548 هـ، ووقع سنجر أسيرًا حتى توفي عام 552 هـ (1175م). فانتهز سلاطين الدولة الخوارزمية -وهي دولة تركية كانت تدين بالطاعة للسلطان سنجر، ثم تمردت عليه بعد ضعفه وهزيمته على يد (الغز)- الفرصة فاستولوا على ممتلكاته في إيران وما وراء النهر بعد وفاته. فتمكنت الدولة الخوارزمية من إسقاط دولة السلاجقة في إيران والعراق في عام 590 هـ (1194م)، بينما ظل حكم السلاجقة في بلاد الشام وفي آسيا الصغرى. ويعد سقوط دولة السلاجقة في إيران والعراق عام 590 هـ بداية النهاية للخلافة العباسية السنية في بغداد، إذ وافق سقوط السلاجقة ظهور المغول (التتار)، وظهور خطرهم على الخلافة العباسية الذي انتهى بسقوط بغداد.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.