الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 18 مايو 2026 - 1 ذو الحجة 1447هـ

(وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) (2)

كتبه/ محمد بكر شديد

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

أولًا: معنى (مَثَابَةً لِلنَّاسِ):

قال الإمام الطبري: "يعني جعلناه مرجعًا يأتون إليه للحج والعمرة، يثوبون إليه مرة بعد مرة، لا يقضون منه وَطَرًا لما فيه من الشرف" (جامع البيان).

وقال الإمام ابن كثير: "جعله الله مثابةً للناس، أي: يثوبون إليه، أي: يرجعون إليه في كل عام، ولا يقضون منه وَطَرًا" (تفسير القرآن العظيم).

وقال الشيخ السعدي: "يثوب الناس إليه مرة بعد مرة، ويحصل لهم به من الخير والبركات والمصالح الدينية والدنيوية، ما يدل على فضله وشرفه" (تيسير الكريم الرحمن).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "البيت مثابة للناس؛ لأن القلوب تهفو إليه من مشارق الأرض ومغاربها، ولا يَمَلُّ الناس من زيارته، بل يزدادون له حبًّا وشوقًا، وهذا من آيات الله" (مجموع الفتاوى).

وقال ابن القيم: "ليس على وجه الأرض بقعة يُحب الناس الاجتماع فيها، ويثوبون إليها، ويحنُّون إليها، سوى هذا البيت، ولهذا جعله الله مثابةً للناس" (مدارج السالكين).

وقال الطاهر بن عاشور: "رجوعهم القلبي قبل الجسدي، فهو موضع تعلق الأفئدة" (التحرير والتنوير).

فهذا شوق لا يحصل منه شبع بالوصول إلى بيت الله الحرام مرة أو مرتين أو أكثر، بل هو يزداد مع كل مرة، وكأن الإنسان لم يأتِ البيت قبل ذلك، مصداقًا لقوله -تعالى-: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)، فكلما رجعوا عنه ثابوا إليه، لا يرون أنهم قد قضوا منه وَطَرًا، استجابة من الله لدعوة إبراهيم التي خلَّدها الله وغيَّر بها وجه التاريخ: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (إبراهيم: 37).

والحقيقة: أن هذا الشوق في قلوب المؤمنين ليس لمجرد البقعة والأحجار، والجبال والوديان، فضلًا عن أن يكون انشغالًا بأنواع المنازل والفنادق والمطاعم، ولكنه في الحقيقة شوق لأحوال الإيمان، ومشاعر القلوب، وأنواع العبودية؛ للحب والرجاء والخشية، والتوكل والاستعانة، والتضرع والانكسار والدعاء، وابتغاء الفضل والرضوان منه -سبحانه وتعالى-. وفي زمن طغت فيه الماديات، يبقى الحج شاهدًا حيًا على أن القلوب لا تُملأ إلا بالإيمان.

ثانيًا: معنى (وَأَمْنًا):

قال الطبري: "جعل الله البيت موضع أمن للناس، حتى إن الجاني إذا دخله لا يُمَسُّ حتى يخرج، وذلك لتعظيم حرمته" (جامع البيان).

وقال ابن كثير: "أي: وجعلناه حرمًا آمنًا، لا يُهاج فيه أحد، ولا يُعتدى فيه على أحد، وكان كذلك في الجاهلية؛ فضلًا عما جاء به الإسلام من تعزيز أمنه" (تفسير القرآن العظيم).

وقال السعدي: "وأمنًا: أي يأمن فيه الناس من القتال والخوف؛ لما له من شرف عظيم جعله الله موضعًا للسكينة والطمأنينة" (تيسير الكريم الرحمن).

ومضمون ما فسَّر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس؛ أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح وتحنُّ إليه، ولا تقضي منه وَطَرًا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله لدعاء خليله إبراهيم في قوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) إلى أن قال: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم: 37-40).

وقال -تعالى-: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ) (المائدة: 97)؛ أي: يرفع عنهم بسبب تعظيمها السوء، كما قال ابن عباس: "لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض".

خاتمة:

الحج ليس رحلة جسد، بل ارتقاء روح، وليس الطواف حركةً حول بناء، بل هو دوران القلب حول تعظيم الله؛ فمن وُفِّق إليه فقد فاز، ومن حُرِمَه فليُعَمِّر قلبه بالشوق، فإن من صدق مع الله بلَّغه الله منازل السائرين.

والحاصل: أن آية (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) جمعت بين نداء السماء للقلوب، وسلام الأرض للأجساد. فاجتمع في البيت الحرام الجمال، والأمن، والعبادة، والشوق، والتوحيد الخالص لله.

فطوبى لمن لبَّى نداء الله، وأجاب دعوته، وسعى إليه بقلب منيب.

اللهم يسر لحجاج بيتك الحرام أمرهم، وتقبَّل منهم سعيهم، وردهم إلى بلادهم مقبولين مجبورين. اللهم آمين.