كتبه/ أحمد يحيى وزير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد لقي المذهب الأشعري في بداياته بعض التضييقات؛ كونه كان خارجًا عن منهج أهل السنة والجماعة، خاصة وأن الكلابية كانت منبوذة متمايزة عن منهج أهل الحديث، ولم يرضَ طريقتها إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل -رحمه الله-، حيث قال ابن تيمية -رحمه الله-: "والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب، ويحذرون من أصحابه، وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد من الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية".
حتى ظهر لعن بعض الفِرَق على المنابر؛ منهم: الأشاعرة في عهد سلطان السلاجقة طغرل بك مع وزيره أبي منصور بن محمد الكندري، لكن في القرن الخامس الهجري حصل نوع من التداخل والتزاوج بين الفكرين الصوفي والأشعري، وذلك بواسطة أبي القاسم القشيري، وأبي حامد الغزالي الصوفيين الأشعريين، وهذه المداخلة أكسبت المذهب الأشعري نفوذًا كما أكسبته انتشارًا وذيوعًا في وسطهم.
فأبو القاسم القشيري (ت: 465هـ)، من شيوخه: أبو علي الدقاق الصوفي المشهور، والقشيري أشهر من أدخل التصوف في المذهب الأشعري، وربطه به، وذلك حين ألف القشيري رسالته المشهورة في التصوف وأحواله، وتراجم رجاله المشهورين، فذكر في هذه الرسالة: أن عقيدة أعلام التصوف هي عقيدة الأشاعرة؛ فكانت رسالته سببًا عظيمًا في دخول الأشاعرة في التصوف، ودخول الصوفية في المذهب الأشعري.
وأبو حامد الغزالي إمام مشهور من أئمة المذهب الأشعري، وإمام مشهور من أئمة التصوف، وله كلام كثير في العقائد الأشعرية، وفي التصوف، وأشهر كتبه: (إحياء علوم الدين)؛ دعا فيه إلى عقيدة الأشاعرة، وإلى التصوف؛ فقد عقد فيه كتابًا أسماه: قواعد العقائد، قرر فيه عقائد الأشاعرة، فالغزالي وكتابه الإحياء من أهم الأسباب التي ربطت بين التصوف والمذهب الأشعري، فلا تكاد تجد صوفيًّا ممن يعظم الغزالي ويعظم كتابه: (إحياء علوم الدين)؛ إلا وهو أشعري المذهب.
وهكذا امتزج التصوف بالمذهب الأشعري، وارتبط به ارتباطًا قويًّا؛ فكثير ممن جاء بعد أبي حامد الغزالي من أعلام الأشاعرة الدعاة إليه تجدهم أيضًا من الدعاة إلى التصوف، فهم مع تقريرهم عقائد الأشاعرة يدعون إلى التصوف.
ثم في القرون الأربعة الأخيرة، انتشر التصوف انتشارًا غير مسبوق؛ لا سيما في عهد الدولة العثمانية التي كانت ترعاه، وتبناه علماء الأشاعرة والماتريدية، ودعوا إليه.
أمَّا في القرنين الأخيرين؛ فقد التحمت الصوفية مع الأشعرية في مدرسة واحدة، وتجمع الأشاعرة في محاضن الصوفية، فلا تكاد تجد صوفيًّا إلا وهو أشعري أو ماتريدي المعتقد، وجميع مؤسسات ومراكز الصوفية في العالم تدرس العقيدة الأشعرية.
وآخر ما جمعهم معًا المؤتمر الذي أُقِيم في جروزني عاصمة الشيشان عام 1437هـ - الموافق 2016م، والمسمى زورًا وبهتانًا: (مؤتمر أهل السنة والجماعة)؛ حضره علماء الصوفية من الأشاعرة والماتريدية، وبعض المخدوعين والمنتفعين.
وكانت أبرز نتائجه: إصدار بيان قرَّروا فيه: أن أهل السنة والجماعة هم الأشاعرة والماتريدية، والمفوضة من أهل الحديث، وأهل المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف، وأخرجوا غير هؤلاء من مسمى أهل السنة والجماعة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.