كتبه/ أحمد يحيى وزير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيحكي ابن الأثير -رحمه الله- عن حال المسلمين أثناء الغزو التتري لبلادهم: "ثُمَّ إنَّهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة (بعد الستمائة)، ووضعوا السيف، فلم يُبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة؛ حتى إنَّهم يشقون بطون الحبالى، ويقتلون الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثُمَّ يقتلونها، وكان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحدًا بعد واحد، حتى يفرغ من الجميع، لا يمد أحد منهم إليه يدًا!".
وقال أيضًا: "وبلغني أنَّ امرأة من التتر دخلت دارًا وقتلت جماعة من أهلها، وهم يظنونها رجلًا، فوضعت السلاح، وإذا هي امرأة، فقتلها رجلٌ أخذته أسيرًا. وسمعتُ من بعض أهلها أنَّ رجلًا من التتر دخل دربًا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدًا واحدًا، حتى أفناهم، ولم يمد أحدٌ يده إليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس، فلا يدفعون عن نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا!".
وقال عند ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة وما فعلوه في البلاد من الفساد: "إنَّ الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب، وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحدًا بعد واحد، لا يتجاسر أحد يمد يده إلى ذلك الفارس، ولقد بلغني أنَّ إنسانًا منهم أخذ رجلًا، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه، ومضى التتري فأحضر سيفًا فقتله به!".
وحكى لي رجل قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلًا في طريق، فجاءنا فارس من التتر، وقال لنا حتى يُكَتِّف بعضنا بعضًا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد، فَلِمَ لا نقتله ونهرب؟ فقالوا: نخاف! فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة، فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جَسَر أحد أن يفعل ذلك! فأخذت سكينًا وقتلته وهربنا فنجونا، وأمثال ذلك كثير" (ينظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير).
ولقد كان أهل التصوف من أكبر الأسباب التي مَكَّنت المستعمر من السيطرة على البلاد الإسلامية؛ ففي رسالة من المارشال "بوجو" أول حاكم فرنسي للجزائر إلى شيخ التيجانية، ذات النفوذ الواسع، جاء فيها: "أنَّه لولا موقف الطريقة التيجانية المتعاطف! لكان استقرار الفرنسيين في البلاد المفتتحة حديثًا أصعب بكثيرٍ مِمَّا كان".
وكان شيوخ الطرق الخائنون يقومون بكتابة عرائض بتوقيعاتهم، وتوقيعات أتباعهم، يملؤونها بالثناء والشكر لفرنسا، التي كانت تعتبرهم ممثلين للشعب! ولا غرابة بعد ذلك كله أن يقول الحاكم الفرنسي في الجزائر: "إنَّ الحكومة الفرنسية تعظم زاوية من زوايا الطرق، أكثر من تعظيمها لثكنة جنودها وقوادها، وأنَّ الذي يحارب الطرق إنَّما يحارب فرنسا".
قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل: "ومن الأمور المشهورة عن احتلال فرنسا للقيروان في تونس: أنَّ رجلًا فرنسيًّا دخل الإسلام، وسمَّى نفسه: سَيِّد أحمد الهادي، واجتهد في تحصيل الشريعة حتى وصل إلى درجة عالية، وعُيِّن إمامًا لمسجد كبير في القيروان، فلمَّا اقترب الجنود الفرنساويون من المدينة، استعد أهلها للدفاع عنها، وجاؤوا يسألونه أن يستشير لهم ضريح شيخ في المسجد يعتقدون فيه! فدخل سيد أحمد الضريح، ثُمَّ خرج مُهَوِّلًا لهم بما سينالهم من المصائب، وقال لهم بأنَّ الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأنَّ وقوع البلاد صار محتَّمًا، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن مدينة القيروان أقل دفاع، بل دخلها الفرنساويون آمنين في 26 أكتوبر سنة 1881م".
وخدمة الصوفية للاستعمار الفرنسي في مصر معروفة، وكانت خدمتهم للإنجليز السبب الحقيقي في هزيمة عرابي في مصر؛ فقد شغل الصوفية الجنود في "التل الكبير" في أذكار حتى نصف الليل، ثُمَّ نام الجنود، فدخل الإنجليز في الفجر.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.