الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 12 أكتوبر 2026 - 1 جمادى الأولى 1448هـ

الدعوة التي تبني الإنسان هي التي تبني الأوطان

كتبه/ عصام محمود زهران

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فليست الدعوة أن يرتفع الصوت، ولا أن تكثر الخصومات، ولا أن يعيش الناس في دوامة الاتهام وسوء الظن؛ وإنما الدعوة أن تهدي قلبًا، وتجمع شملًا، وتغرس في النفوس العلم والرحمة والعدل.

فالدعوة الصادقة لا تُقاس بما تثيره من ضجيج، وإنما بما تتركه من الأثر في أخلاق الناس وفي أمن المجتمع، وفي استقامة الحياة.

إن أسهل الناس كلامًا من لم يحمل مسؤولية، وأجرأهم على الأحكام من لم يذق ثقل الأمانة؛ فمن وقف بعيدًا عن ميادين الإصلاح يسهل عليه أن يلوم، وأن يعاتب، وأن يصدر الأحكام، وهو لا يرى من المشهد إلا ظاهره؛ أما مَن خالط الناس، وعرف طبائعهم، وخبر تعقيد الواقع، وأدرك أن المصالح تتزاحم، وأن المفاسد تتعارض، وأن القرارات ليست كلمات تُكتب، بل تبعات تُحمل، فإنه يتكلم بعلم، وينقد بعدل، ويلتمس العذر قبل أن يوجه اللوم؛ ولذلك كان الإنصاف من أعظم أخلاق أهل الحق.

فليس العدل أن تنكر الخطأ، وإنما العدل أن ترى الصواب والخطأ جميعًا، وأن تعطي كل ذي حق حقه.

وليس من المروءة أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، ولا أن يصبح سوء الظن ذكاءً، ولا أن تصير الغلظة شجاعة، ولا أن يكون إسقاط الناس علمًا.

لقد ابتُلينا بثقافةٍ تُحسن الهدم أكثر مما تُحسن البناء؛ فإذا أخطأ إنسان، طُمست حسناته، وإذا زل في موقف، أُهدرت سنوات عطائه، وكأن العدل لا يكون إلا مع الموافق، أما المخالف فلا نصيب له من الإنصاف.

ولو أنصف الناس، لعلموا أن البشر جميعًا يخطئون ويصيبون، وأن الفضل لا يُمحى بزلة، كما أن الزلة لا تتحول إلى فضيلة.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيدٍ من الخصومات، وإنما تحتاج إلى مزيد من الحكماء؛ رجالٍ إذا تكلموا نشروا الطمأنينة، وإذا اختلفوا حفظوا الأدب، وإذا نقدوا أقاموا العدل، وإذا عملوا ابتغوا وجه الله.

ثم تأمل كيف يطمع إنسان أن يكون من ورثة الأنبياء، وهو لا يعرف من الدعوة إلا ضيق الزاوية، ولا يحمل من هموم الأمة إلا همَّ الانتصار لرأيه؟

وكيف يرجو أن يكون من أهل الاستخلاف في الأرض، وهو لم يتعلم معنى القيادة، ولا فقه المسؤولية، ولا الصبر على تبعات القرار، ولا الحكمة في سياسة الخلق؟

إن الدعوة في ميزان النبوة ليست اعتزالًا للحياة، بل قيادةٌ لها إلى الله.

ولم يكن رسول الله واعظًا فحسب، بل كان عبدًا قائمًا بين يدي ربه، وزاهدًا في الدنيا، ومجاهدًا في سبيل الحق، ومربيًا للنفوس، ومفتيًا، وقاضيًا، وقائدًا، وحاكمًا يحمل همَّ أمة بأسرها، فمن أراد أن يقتفي أثر النبوة، فلا يكفيه أن يحفظ النصوص، حتى يحمل هموم الناس، ولا يكفيه أن يُحسن الكلام، حتى يُحسن البناء، ولا يكفيه أن يعرف الأحكام، حتى يعرف كيف تُنزل على واقع الناس بالعلم، والحكمة، والعدل.

فالرسالة لم تنـزل لتُحبس بين أربعة جدران، وإنما نزلت لتقود الحياة إلى هدي الرحمن، ولتصنع أمةً شاهدةً على الناس، لا أمةً تعيش على هامش الأحداث، تراقب ولا تبني، وتنتقد ولا تُصلح.