كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا قام إلى الصلاة في الليل كبر، ثم قال: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ) (رواه مسلم).
والمتأمل لخلق السماوات والأرض يجد بلا تردد آثار العِلْم التام، والقدرة التامة، والحكمة التامة، والعزة والقهر والقوة، والمجد والعظمة، والجمال والجلال ظاهرةً تمام الظهور، من الذرة إلى المجرة.
ويرى توازنًا عجيبًا وإحكامًا وإتقانًا تامًّا ويرى مُلْكًا باهرًا، ويوقن أنه لا يمكن أن يكون الكون بهذا الإحكام من وجود الذرة الصغيرة في خلق الإنسان إلى الكائنات الأكبر في السماوات والأرض إلا بقدرة تامة وحكمة في كل شيء.
ويرى الإنسان من آثار عزة الله -عز وجل-: فهو -سبحانه وتعالى- عزيز قاهر، غالب على أمره، يريد الناس شيئًا ويريد الله -عز وجل- شيئًا فيكون ما يريد الله، وهو قاهر فوق كلِّ من دونه -سبحانه وتعالى-، قهرهم بالموت وقهرهم بالمرض وقهرهم بالحاجة والفقر وهم أصلًا كانوا عدمًا، خُلِقُوا قهرًا ويموتون قهرًا، وكل من يتدبر خلق السماوات والأرض يجد آثار صفات الله، فهو القهار؛ له العزة والقهر والقوة: (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (البقرة: 165)، ولو يتدبَّر الإنسان قدر القوة الموضوعة وكم منها بأيدي الناس يجد عجبًا، فالبشر يغترون عندما يشعرون أن عندهم قوة وهي في الحقيقة قوة تافهة جدًّا وصغيرة جدًّا!
إن أقوى الدول وأعتاها -فضلًا عمن دون ذلك وعن آحاد البشر- لها سلطان محدود ولهم قدرة وقوة محدودة فكيف يغترون بها؟! لكن المؤمن ينظر دائمًا إلى القوة التي أودعها الله في الكون والتي تدل على قوته -عز وجل- و(أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (البقرة: 165).
تأمل قوة البحار، كم هي؟ وكيف يمكن أن تُغْرِق العالم؟ وتأمل ما في قوة الريح، وتأمل ما في قوة الشمس من طاقة هائلة يمكن أن تدمر الكرة الأرضية وما حولها لو أنها وُجِّهَت إليها، وتأمل القوة الموجودة في الشهب والنيازك، وتأمل أضعاف ذلك من القوة المودعة في الكون، ثم تأمل كم من هذه القوة بأيدي الناس؟ ماذا يملك البشر منها؟ فالبشر لا يملكون شيئًا من القوة المخلوقة إلا ذرة يسيرة يغترون بها، فيقول الجاهلون: من أشد منا قوة؟ ويقولون: القوة العظمى! -والعياذ بالله- وما هي بعظمى، بل حقيرة ضعيفة عاجزة، والإنسان إنما يراها عظمى نتيجة إخلاده إلى الأرض، ولو أن نفسه ارتفعت وشاهدت حقائق الكون سيجزم ويوقن أن القوة ليست للناس و(أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (البقرة: 165).
وتأمل الآيات التي فيها قول إبراهيم -عليه السلام-: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (الأنعام: 79)، كان أولها: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: 75)، فالملكوت موجود، ولكن العبرة أن يراه الإنسان ويشهده ليشهد ملك الله -عز وجل- في السماوات وفي الأرض، وهذه نعمة من الله: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الأنعام: 75).
وكثرة التفكر في خلق السماوات والأرض هي من صفات أهل الإيمان، قال الله -تعالى-: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران: 190- 191).
فإذا شهد العبد ذلك وَجَّهَ وَجْهَهُ -ولا بد- للذي فطر السماوات والأرض ممتثلًا أمره متبعًا شرعه راجيًا ثوابه خائفًا من عقابه، ويفعل ذلك حنيفًا -أي مائلًا إلى الله معرضًا عن غيره- وهذا الميل إلى الله هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، قال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه -عز وجل-: (إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ) (رواه مسلم).
هذه الحنيفية وهذا الميل إلى الله وحبه والرجوع إليه وامتثال شرعه والخضوع لأمره هي ملة إبراهيم -عليه السلام- التي بُعِث بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي الفطرة التي هي الدليل الثاني على توحيد الألوهية، فتوحيد الربوبية هو الدليل الأول الذي يدل عليه التفكر في خلق السماوات والأرض وهو الأكثر استعمالًا.
والدليل الثاني على توحيد الألوهية هو: دليل الفطرة، وهو: أن العباد يجدون في أنفسهم ميلًا وحبًّا لإلههم الحق ومعبودهم الذي لا شريك له، ولا تطمئن قلوبهم ولا تسكن نفوسهم إلا إذا توجهت إليه وأحبته وعظمته وخضعت له.
فحينما يولد الإنسان تولد له رغبات معينة، فيجد في نفسه الحاجة إلى الهواء فيتنفس، ويجد نفسه محتاجًا إلى الأكل فيأكل ويمص ثدي أمه قبل أن يفهم، قد جعل الله فيه هذه الحاجات لكي تستمر حياته، فلو أن إنسانًا لم يشعر بحاجته إلى التنفس سيموت. فمن أسباب الموت بالمخدرات -كالهيروين- أنه يشل مراكز التنفس في المخ، فيجعل مركز التنفس لا يشعر أنه محتاج إلى الهواء، فيموت الإنسان نتيجة لهذه الجرعة الزائدة التي تشل مركز التنفس، وتقول له أنت بحالة جيدة، ولا تحتاج إلى هواء، فلا يتنفس فيموت -والعياذ بالله-.
ومن ضمن أسباب موت الأطفال في السن الصغيرة جدًّا، أن الطفل لا يريد أن يرضع، فيتوقف عن الرضاعة؛ لأنه لا يشعر أنه جائع، فيعجز الأطباء عن عمل أي شيء له إلى أن يموت. وحال القلب كذلك أيضًا، فكما أن البدن خُلِق محتاجًا إلى النَّفَس والطعام والشراب، خُلِق القلب مائلًا إلى الله -عز وجل-، يحتاج إلى أن يتعبد، يحتاج إلى أن يحب، وأن يخضع إلى الله -عز وجل-، فهذه هي الفطرة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم: 30)، إن لم يشعر بهذا الأمر سيموت القلب ويضل ويهلك.
ويجد العبد في هذا التوجه والميل حقيقة غايته في هذه الحياة والحكمة من وجوده ومصيره الذي يصير إليه، وهو أنه يرجع إلى الله -سبحانه وتعالى-، يجد العبد الإجابة عن الأسئلة الفطرية الضرورية من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا جئت؟ وماذا يُرَاد مني؟ من أوجدني؟ ومن جاء بي؟ ومن خلقني؟ وإلى أين أذهب؟ أسئلة موجودة في نفس كل إنسان، لا يستطيع الإجابة عنها إلا إذا توجه إلى الله -عز وجل-. والعبد إذا جرب لذة التوحيد والعبادة والحب وجد شيئًا لا نظير له في حياته كلها ووجد نعيمًا لا يدانيه نعيم آخر ويجد راحة لا تماثلها راحة أخرى. ويتأكد هذا المعنى عنده -بوجوب توحيد العبادة- إذا كان قد جرب قبل ذلك الجاهلية والتوجه لغير الله، وجرب مدى ضرره وشقائه وعذابه به فيشعر بالفرق الهائل حينئذٍ.
وأيضًا، إذا كان من البدء على هداية ولم يكن على سبيل الجاهلية فيتدبر حال غيره، فيتأكد هذا المعنى عنده حين يرى حال غيره من البشر من حوله كيف يشقون بآلهتهم الباطلة ويعانون معاناة لا نظير لها، يعانون من تعلقهم بأصنام وأوثان وشمس وقمر ونجوم، ورياسة ومُلْك، ودرهم ودينار وكبراء ورؤساء، ومطاعين وضعوا لهم نظريات فاسدة وأديانًا باطلة تشقى بها أجيال تلو أجيال في دنياهم قبل أخراهم، فيوقن الإنسان حينئذ ويزداد يقينًا بأنه لا إله إلا الله، فيكون حنيفًا ويتبرأ من المشركين ومن طريقتهم وملتهم، ويبغض صفاتهم وأعمالهم ويبغضهم ويفارقهم، حتى لو كان محتاجًا في دنياه لموافقتهم، فلذة عبوديته لربه تسليه عن فقد بعض مصالح دنياه مؤقتًا بسبب هذه البراءة، لأنه حينما يتبرأ من المشركين سيعادونه ولن يعطوه المصالح التي يعطونها لأوليائهم، نعم، سيتعب تعبًا قليلًا مؤقتًا، ثم بعد ذلك أثناء تعبه هذا وأثناء مفارقته وأثناء براءته من الشرك وأثناء عدم الحاجات التي يريدها في دنياه سيتسلى بعبادة الله -عز وجل-، وستُنْسِيه لذة عبوديته ألم فقد هذه المصالح، وسيجمع الله له شمل دنياه وأخراه، وسيجد هذه المصالح التي ضاعت منه قد جاءته من غير أن يبذل أي مجهود، لأنه من أصبح والآخرة همته جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة.
وقضية البراءة من المشركين في قوله: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (الأنعام: 79) قضيةٌ عظيمةُ الأهمية في عقيدة المؤمن وفي سلوكه ومعاملاته، ولأن المصالح متشابكة والأحوال متداخلة وقد اقتضت حكمة الله ألا توجد في الدنيا المثالية المنشودة، بل ما يزال الخير مختلطًا بالشر عند أكثر الناس، ولهذا كانت هذه المسألة بحاجة إلى تكرار يومي حتى تستقر في نفس المؤمن ولا ينحرف إلى ما يخالفها، ففي كل يوم لك مصالح عند أعداء الإسلام.
وكثير من الناس ينسى قضية الولاء والبراءة من المشركين في المصالح؛ الأمر الذي يجعلهم يدورون في فلكهم تحت ضغط مصلحة موهومة أو لدفع مفسدة محتملة دون مفسدة موالاة المشركين والتي هي في الحقيقة أشد ضررًا وأعظم مفسدة، والذل الذي يحصل بسبب طاعتهم أضعاف ما يفر منه الإنسان من الأذى أو من المضرة، لكن أكثر الناس موازينهم مختلة فلا يُحْسِن أكثر الناس استعمال الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب: (اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ) (الشورى: 17).
هذا الميزان إنما تُوزَن به الأفكار والعقائد والتصرفات والأخلاق والسلوكيات، ولا يهتدي أكثر الناس أصلًا إلى هذا الميزان فيزنون المصالح والمفاسد بموازين العقل القاصر أو الهوى الغاوي أو التقليد الجاهل، فيقول لك إنما نحن مصلحون: (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) (البقرة: 12).
تجد أن أكثر العالم يظنون أنفسهم يصلحون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، لذا أُصِيبَت الأمة بما أُصِيبَت به من أنواع الضرر والهزيمة والذل والهوان وتسلط الأعداء من جراء تضييع الإيمان ومنه قضية البراءة من المشركين، بل إن هذه القضية لها خصوصية في هذا الباب، وهي أن الركون إلى الذين ظلموا بموافقتهم في باطلهم وافتراء الكذب على الله وعلى دينه وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بما وافق أهواءهم يُفْقِد العبد ولاية الله ونصرته. فقضية موالاة المشركين مرتبطة ارتباطًا أساسيًّا بقضية الهزيمة التي تحل في الأمة، والتي سببها أساسًا موالاة الكفار -والعياذ بالله- لأنه كما قال الله -عز وجل-: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (هود: 113).
والمتأمل في تاريخ الإسلام وما حدث من مصائب كبرى في تاريخ المسلمين -ابتداءً من سقوط بغداد على يد التتار، ومرورًا بضياع الأندلس، وأخيرًا احتلال بيت المقدس والأرض المباركة حوله من اليهود، هذا غير احتلال بلاد كثيرة من البلاد الإسلامية- يجد أن الهزيمة دائمًا كانت بسبب من يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يخون أمته وينصر عدوها، وإلا فأمة الإسلام قادرة قدرة عجيبة بفضل الله -تعالى- على الصمود في وجه أعتى الأعداء وأقواهم، ولها قوة عظيمة في الثبات أمام أقوى الأسلحة وأكثر الجيوش عددًا وعدة، حتى تحصل الخيانة وتسقط فئة في هوة الموالاة لأعداء الله وترك البراءة منهم، فتحصل الهزيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه القضية وكل قضايا التوحيد التي تضمنها هذا الدعاء العظيم تحتاج إلى تكرار حتى تستقر وتثبت بل تنمو وتكبر وتثمر ثمارها في حياة المؤمن فهي الشجرة الطيبة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم: 24- 25).
حاصل الكلام في هذه الجملة الأولى في هذا الاستفتاح العظيم: (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أن المتأمل يلحظ أن كل جزء من هذا الدعاء يقود إلى الذي يليه أو هو دليل عليه، فتوحيد الربوبية في قوله: (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) دليل على توحيد الألوهية في (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ)، والتفكر في خلق السماوات والأرض في قوله: (فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) يُبَيِّن للعبد آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى من الجلال والجمال والمجد والعظمة، فلا يجد العبد بُدًّا من الميل الفطري إلى الله، حبًّا وانقيادًا وتعظيمًا وبُعْدًا عمن سواه حنيفـًا، وهذا البعد عمن سواه من المعبودات الباطلة يستلزم بغضًا وبعدًا وبراءة منها ومن عابديها، فيقول: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا وتمت كلماته صدقًا وعدلًا، وله الحمد على ما شرع لعباده وهداهم لحقائق الإيمان المتلازمة المترابطة التي تفتح كل حقيقة منها لصاحبها أبواب الحقائق الأخرى، كمن دخل قصرًا ووجد كنزًا فإذا دخل غرفة من غرف القصر وجد فيها مفاتيح غرف أخرى، وكلما طالع جواهر الكنز وجد معها ومنها مفاتيح كنوز أخرى.
فاللهم أنر قلوبنا بحبك وزدنا علمًا ويقينًا وإيمانًا.
والحمد لله رب العالمين.