الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 24 سبتمبر 2026 - 13 ربيع الثاني 1448هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (32) اسما الله (الحَكَم، الحَاكِم) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرُّف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد، قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).

الوقفة الأولى: مواضع ورود اسمه -تعالى- (الْحَكَم، الْحَاكِم) ومعناه:

- وَرَد اسم الله -سبحانه- (الْحَكَم) في القرآن الكريم مرة واحدة وذلك في قوله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) (الأنعام: 114).

وورد في السُّنَّة، فعن هانئ بن يزيد -رضي الله عنه- أنَّه وَفَدَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قومه، فسمعهم يُكَنُّونَه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟). فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين بحكمي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟) قال قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: (فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟) قال قلت: شريح، قال: (فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- وأمَّا (الْحَاكِم)، فقد ورد في القرآن خمس مرات بصيغة التفضيل؛ منها: قوله -تعالى-: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (الأعراف: 87)، وقوله -تعالى-: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود: 45)، وقوله -تعالى-: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (يونس: 109).

- معنى (الْحَكَم، الْحَاكِم) لغةً وشرعًا: قال الزجاج -رحمه الله-: "والحَكَم والحَاكِم بمعنى واحد، وأصل: (ح ك م) في الكلام: المنع، وسُمِّي الْحَاكِم حَاكِمًا؛ لأنََّه يمنع الخصمين من التظالم وحَكَمَةُ الدابة سُمِّيَت حَكَمَةً؛ لأنها تمنعها من الجماح" (تفسير الأسماء). وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله -تعالى-: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) (البقرة: 188)، والْحَكَم: المتخصص بذلك، فهو أبلغ، وقال الله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)" (المفردات).

وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "ومن أسمائه الْحَكَم العدل الذي يحكم بين عباده في الدنيا، والآخرة بعدله، وقسطه، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فلا يدع صاحب حق إلَّا وصل إليه حقه" (الحق الواضح المبين، ص 80)(1).

الوقفة الثانية: أنواع حكم (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه-:

النوع الأول: الحكم الكوني القدري:

- فالحَكَم -سبحانه وتعالى- يجعل هذا عقيمًا وذاك ذا ولد، ويجعل هذا وسيمًا، وذاك دميمًا، هذا الإنسان ساق إليه بعض الشدائد، وآخر ساق إليه بعض الخير، فكل ذلك ليس للإنسان فيه قدرة ولا اختيار، وإنَّما اختاره الْحَكَم -سبحانه- وحكم به، وهو واقع لا محالة لحكم يريدها (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه-؛ قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد: 41).

- تأمل في حكمه القدري لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر (إشارة مختصرة إلى قصة يوسف -عليه السلام-: بغض الإخوة وحسدهم له - إلقاؤه في البئر المهلك - بيعه رقيقًا بثمن بخس - فتنة امرأة العزيز - محنة السجن بضع سنين - ثُمَّ: منام الملك! لنيل السلطان والملك، ودعوة الناس إلى الحق، واجتماع الشمل)، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).

النوع الثاني: الحكم الديني الشرعي التكليفي:

- وهذا الذي أرسل الله به الرسل وأنزل معهم الكتب، فحكم بوجوب هذا وحرمة ذاك، هذا حكم تكليفي يُؤَاخَذ به الإنسان، وهذا من حقه أن يُتَلَقَّى بالتسليم، وترك المنازعة بل بالانقياد والإذعان والقبول: قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب: 36)، وقال -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65).

- وليس لمخلوق أن يحكم أو يشرع مع (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه-: قال -تعالى-: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (الشورى: 10). وقال -تعالى-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40). وقال -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى: 21).

النوع الثالث: الحكم الجزائي (وهو من مقتضيات اسمه -سبحانه- الحَكَم):

وهو الحكم الذي يحكم به (الحَكَم العدل) بين عباده يوم القيامة بمجازاتهم على أعمالهم، والحكم بين المتخاصمين والمختلفين، وإظهار الحق ورد المظالم إلى أهلها؛ قال -تعالى-: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (الحج: 56- 57).

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَكَم، الحَاكِم):

أولًا: الالتزام بشريعة (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه- ولازم هذا الالتزام الكفر بكلِّ قوانين البشر ودساتيرهم التي تعارض حكم الله وشرعه المطهر، وعدم الرضا بغير شرع الله بَدِيلًا: قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء: 60- 61).

ثانيًا: الخوف من الله -عز وجل- في هذه الدنيا، والبعد عن مظالم العباد وعدم الاعتداء على حقوقهم: لأنَّ وراء ذلك يوم الفصل والقضاء حيث يحكم (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه- فيه بحكمه؛ قال -تعالى-: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (النمل: 78)، وقال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47).

ثالثًا: الرضا بحكم (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه- والتسليم له: (فإنَّ العبد إذا علم أنَّ القاضي الذي سيحكم في نزاعه وخصومته أعدل الحاكمين، وأنَّه لا أحسن منه حُكْمًا، ولا يُظْلَم عنده أحد، اطمأنت نفسه واستسلمت لحكمه)؛ قال -سبحانه-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: 70). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).

فاللهم يا أحكم الحاكمين، قَدِّر لنا الخير في الدنيا والآخرة، واجعلنا من المعظِّمين لحكمك، المنقادين لشرعك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقال أيضًا: "والحَكَم العدل الذي إليه الحكم في كل شيء فيحكم -تعالى- بشرعه، ويبين لعباده جميع الطرق التي يحكم بها بين المتخاصمين، ويفصل بين المتنازعين، من الطرق العادلة الحكيمة، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويحكم فيها بأحكام القضاء، والقدر، فيجري عليهم منها ما تقتضيه حكمته، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ويقضي بينهم يوم الجزاء، والحساب، فيقضي بينهم بالحق، ويحمده الخلائق على حكمه حتى من قضى عليهم بالعذاب يعترفون له بالعدل، وأنَّه لم يظلمهم مثقال ذرة" (الحق الواضح المبين، ص 80).