كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).
- ورد اسمه -سبحانه- (الحَمِيد) في القرآن في سبع عشرة آية: كقوله -تعالى-: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحج: 64)، وقوله -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (البقرة: 267)، وقوله -تعالى-: (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (إبراهيم: 8)، وقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15).
- وجاء في السنة في مواضع كثيرة، فعن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- قال: سألنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلنا: يا رسول الله، كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم؟ قال: (قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (رواه البخاري).
الوقفة الأولى: بداية وعظية (منزلة عبادة الحمد لله من خلال أمثلة):
(الحمد لله) أول كلمة نطق بها الإنسان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بِإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا آدَمُ...) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).
(الحمد لله) أول كلمة افْتُتِح بها كتاب الله:
- عن أبي سعيد بن المعلى -رضي الله عنه- قال: كنت أصلي فدعاني النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم أجبه، قلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، قال: (أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ ثم قال: (أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟ فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ) (رواه البخاري).
- (الحمد لله) هو شعار الملائكة تعظيمًا لربهم في يوم نهاية الدنيا والحساب: قال -تعالى-: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) (الزمر: 75).
- (الحمد لله) أول كلمة لأهل الجنة عند دخولها: قال -تعالى-: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر: 73- 74).
- (الحمد لله) الكون كله يتعبد بها للحميد -سبحانه-: قال -تعالى-: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء: 44).
الوقفة الثانية: معنى (الحَمِيد) في حق الله -تعالى-:
- المعنى اللغوي لـ (الحميد): الحمد نقيض الذم، تقول: حَمِدْت الرجل أحمده حمدًا ومحمدة، فهو حميد ومحمود.
- معناه في حقِّ الله -سبحانه وتعالى-: قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهو (الحميد) أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه" (تفسير ابن كثير).
- وقال السعدي -رحمه الله-: "(الحميد) في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأحسنها، فإن أفعاله -تعالى- دائرة بين الفضل والعدل" (تفسير السعدي)(1).
- فكل ما يُنْسَب لله (أقوال، وأفعال، وصفات) فهو محمود، ولا يُحْمَد على الإطلاق إلا الله: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تهجد من الليل قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه البخاري ومسلم).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ومعلوم أن كل ما يُحْمَد فإنما يُحْمَد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يُحْمَد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يُحْمَد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد، والكمال من كل كامل وهو المطلوب" (مجموع الفتاوى).
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "الحمد كله لله رب العالمين... فإنه المحمود على ما خلقه وأمر به ونهى عنه، فهو المحمود على طاعات العباد ومعاصيهم وإيمانهم وكفرهم، وهو المحمود على خلق الأبرار والفجار والملائكة وعلى خلق الرسل وأعدائهم، وهو المحمود على عدله في أعدائه كما هو المحمود على فضله وإنعامه على أوليائه، فكل ذرة من ذرات الكون شاهدة بحمده؛ ولهذا سبح بحمده السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وإن من شيء إلا يسبح بحمده" (طريق الهجرتين).
الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحميد):
أولًا: زيادة محبة الله -عز وجل-، فإن ذلك مقتضى الرضا عن الله، وهو الذي يثمر الحمد لله في كل الأحوال. وهذه المحبة بدورها ستثمر عبوديات أخرى في القلب، كالإخلاص لله -تعالى- والحياء والأدب مع الله -عز وجل- وعبوديات اللسان والجوارح بالقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، والتقرب إليه بطاعته.
ثانيًا: كثرة ذكره -سبحانه- وشكره، وبخاصة بالأذكار التي تتضمن حمده -سبحانه-، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (رواه مسلم). وقال: (وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ) (رواه مسلم). وعن أنس -رضي الله عنه- أن رجلًا جاء فدخل الصف وقد حفزه النَّفَس فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ). فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: (أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟) فَأَرَمَّ القوم فقال: (أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا). فقال رجل: جئت وقد حفزني النَّفَس فقلتها، فقال: (لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا) (رواه مسلم).
ثالثًا: الرضا بأقدار الله المؤلمة؛ لأنه الحميد في أفعاله، وفعله -سبحانه- كله حكمة، وخير للعبد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
خاتمة:
- الحذر من إلف النعم الذي ينسي شكر الله وحمده، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: (لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).
- شكر النعم نوع من الحمد، وسبب لرضا الحميد -سبحانه- وزيادة إنعامه: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل: 53). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) (رواه مسلم). وقال الله -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7).
فاللهم ألهمنا حمدك وشكرك، واجعلنا من عبادك الشاكرين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هل الحمد هو الشكر؟ الجواب: فَرَّق أهل العلم بينهما، فقالوا: إن الشكر أعم من جهة أنواعه، فهو يكون باللسان والقلب والجوارح، وأخص من جهة متعلقاته فيكون على نِعَم قريبة تَجِدّ أو نقمة تندفع. أما الحمد فهو أعم من جهة متعلقاته، فهو تناول النعم السابقة وغيرها، ويتضمن حمد الله -تعالى- على أسمائه وصفاته وأفعاله، كما أنه أخص من جهة أنواعه، فهو يقع بالقلب واللسان، فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس. والعبد يحمد الله -عز وجل- في السراء والضراء؛ لأن فعله -سبحانه- كله حكمة، وخير للعبد. (ينظر: مدارج السالكين).