الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الخميس 17 سبتمبر 2026 - 6 ربيع الثاني 1448هـ

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (31) اسم الله (الحَق) (موعظة الأسبوع)

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم).

- ورد اسم الله (الْحَقُّ) في عشر آيات من القرآن؛ منها: قوله -تعالى-: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام: 62)، وقوله -تعالى-: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (يونس: 30)، وقوله -تعالى-: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 32)، وقوله -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: 6)، وقوله -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: 62).

معنى الاسم في حق الله -تعالى-:

- قال ابن جرير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) (يونس: 30): "ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله، الذي هو ربهم ومالكهم الحق لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنَّهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد، (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (يونس: 30)؛ يقول: وبطل عنهم ما كانوا يتخرصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنَّها لله شركاء، وأنَّها تقربهم منه زلفى" (جامع البيان).

- وقال الحليمي -رحمه الله-: "(الْحَقُّ) ما لا يسع إنكاره، ويلزم ثبوته والاعتراف به، ووجود الباري -عز ذكره- أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسع جحوده؛ إذ لا مثبت يتظاهر عليه من الدلائل البينة الباهرة ما تظاهرت على وجود الباري -جل جلاله-" (المنهاج في شعب الإيمان).

الوقفة الأولى: الله -تعالى- هو الإله والرب (الحَق):

- لا تنبغي الألوهية والربوبية إلا له -عز وجل- وحده لا شريك له، وما سواه من الآلهة والمعبودات فباطل زائل: قال -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ . فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 31- 32). وقال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) (الحج: 62- 66)، فذكر الله -تعالى- في هذه الآيات -وغيرها كثير- من دلائل ألوهيته الحقة وربوبيته أمرًا عظيمًا.

- وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستفتح صلاته من الليل بذكر هذا المعنى: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ...) (رواه البخاري ومسلم).

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه (الحَق):

أولًا: زيادة الإيمان وقوة التوحيد؛ فإنَّ مَن عَلِم أن الله هو الموجود الحق، والرب الحق والإله الحق، وكل ما سواه من الأسباب أسباب مخلوقة صادرة من مُسَبِّب الأسباب الإله الحق، قَوِيَ إيمانه ورسخ توحيده؛ قال -تعالى- من قول نبيه الخليل -عليه السلام- في محاجة قومه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام: 79- 81).

ثانيًا: الشعور بالغبطة والسعادة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق الذي هو دين الله، والذي من هُدِي إليه واستقام عليه اطمأنت نفسه، وانشرح صدره، وسَلِم من التشتت والاضطراب والحيرة، قال -تعالى-: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد: 19).

ثالثًا: الرضا والطمأنينة بما يصيب المؤمن من المصائب المؤلمة والإيمان بأنها كائنة بعلم الله -عز وجل- وإرادته وحكمته، وهي حق لا باطل فيها ولا عبث ولا ظلم؛ قال -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: 22- 23)، وقال -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51).

رابعًا: التسليم التام لأحكام (الحَق) -سبحانه- الشرعية فيما يأمر به وينهى عنه، واليقين بأنَّ أحكام الله -تعالى- كلها حق وخير؛ لأنَّها من الله (الْحَقُّ) الحكيم العليم، قال -تعالى-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50).

خامسًا: الثقة في نصر الله -عز وجل- لدينه الحق وأوليائه الثابتين عليه، وعدم الاغترار بانتفاش الباطل في وقت من الأوقات فإنَّه ذاهب، ولكن الله -عز وجل- يبتلي به العباد، لِيُعْلَم المؤمن الصادق الثابت على الحق من المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين يبهرهم زبد الباطل فيشكون في وعد الله -عز وجل- ونصرته لأوليائه، قال الله -عز وجل-: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد: 17).

فاللهم أرنا الحق حَقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل بَاطِلًا وارزقنا اجتنابه، وانصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه.