الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 31 أغسطس 2026 - 18 ربيع الأول 1448هـ

من نعيم النساء في الجنة (3)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبما أنَّ المرأة مكلَّفة في الدنيا وستُحاسَب على ما عملت فيها إمَّا بالجنة وإمَّا بالنار، وقد رأينا ما أعدَّه الله -عز وجل- لها في الجنة من أنواع التكريم والنعيم، فحري بنا أن نبيِّن للمرأة في إيجاز منهج عمل يحتوي على أهم ما عليها من مسؤوليات وواجبات عليها الإتيان بها لتنال نعيم الآخرة، خاصة مع كثرة المهام ومشقتها على الكثيرات، وكثرة التبعات الملقاة على عاتق المرأة: زوجة، وأم، وعضو له دوره في المجتمع، بجانب ما لها من أحكام تتعلق بطبيعتها المختلفة عن الرجل من الحيض، والحمل والولادة، والنفاس، والرضاعة، وأحكام التحجب والتستر وعدم مخالطة الأجانب أو الخلوة بهم، وفي الحديث المرفوع: (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)، وفيه: (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) (رواه البخاري ومسلم).

وقد صارت المسلمة اليوم أول المستهدفات التي يتطلع إليها أعداء الإسلام بهجماتهم الشرسة على الإسلام والمتمسكات به، بغية جعلها تفرط وتتساهل في واجباتها المنوطة بها، أو تتخلى عن بعضها، وبالتالي إضعاف مجتمعاتنا الإسلامية، وهدمها من الداخل بيد بناتها ونسائها، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير في ظل الهرج والمرج، وتكاثر الخائضين بأهوائهم في قضايا المرأة المسلمة، بما فيها قضايا هي من المسلَّمات في الشريعة الإسلامية، حتى صارت أكثر النساء بدعوى التحضر والمدنية والحريات ألعوبة في يد من لا يريد لهنَّ إلَّا أن يكنَّ عابدات للشيطان أو منقادات لأهواء أتباع الشيطان، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.

لقد أصبحنا اليوم في أشد الحاجة إلى المؤمنة الواعية التي تعرف شريعة ربها، وتعمل على بصيرة بمسؤوليتها، وقدوة لغيرها، وتعي أيضًا كيد أعداء دينها فلا تقع في شراكهم.

إنَّ المرأة شريكة للرجل سواء بسواء في حمل الأمانة التي كلف الله الإنسان؛ قال -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب: 72). قال ابن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وسعيد بن جبير -رحمهما الله-: هي الفرائض. وقال قتادة -رحمه الله-: الأمانة هي الدين والفرائض والحدود. قال أُبَيُّ بن كعب -رضي الله عنه-: من الأمانة أنَّ المرأة اؤتمنت على فرجها.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير سورة الأحزاب: "وكل هذه الأقوال لا تنافي بعضها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنَّها التكليف". وفي الحديث المرفوع: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- واجبات المرأة نحو ربها -عز وجل-: وظيفة الإنسان رجلًا أو امرأة عبادة الله -تعالى-، قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56). وعبادة الله -تعالى- مدارها على فعل كل ما أمر به، وترك كل ما نهى عنه، وفي مقدمتها العبادات المحضة: من الصلاة والصيام والدعاء، وذكر الله، ونحوها، وهي بالطبع في مقدمة العمل الصالح، ففي الحديث المرفوع: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

والأعمال الصالحة عامة لها ثلاثة شروط للقبول، لا تقبل العبادة إلَّا بها، وهي:

1- الإيمان ونقيضه الكفر، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) (النساء: 124).

2- الإخلاص لله -تعالى-، ونقيضه الشرك.

3- موافقة الشرع (الكتاب والسنة)، ونقيضه الابتداع في الدين.

وأركان الإيمان ستة؛ هي: الإيمان بالله -تعالى-، بإفراده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه. وهذه الأركان لها إجمال وتفصيل، وتتعلق بها قضايا الكفر والإيمان، تحتاج العلم الصحيح بعيدًا عن الخرافات والخزعبلات التي شابت عقائد الكثير من العوام، فسقط الكثير منهم في الكفريات، استقوها من بيئة يعيشون فيها بعيدة كل البعد عن العلم النافع، ومن وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة باتت أضرارها أكثر بكثير من نفعها، وأصبح لزامًا على المسلم طلب علم هذه المسائل بتفاصيلها من مصادرها الصحيحة ما استطاع، ويحتاج الأمر إلى دراسة منهجية متكاملة للكتب المعتبرة على يد علماء متقنين.

ولعل من أنفع الكتب في ذلك: (معارج القبول) لحافظ حكمي -رحمه الله- و(فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) مع تعليقات فضل الغني الحميد.

وتحقيق التوحيد يستلزم تجنب الشرك سواء الشرك الأكبر أو الأصغر، وتجنب نواقض الإسلام القولية والعملية، ومعرفة قضايا الولاء والبراء والتحاكم إلى شرع الله -تعالى-، والعذر بالجهل ونحوها؛ قال -تعالى-: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر: 65).

وقد ذكر الله عددًا من الرسل والأنبياء ثمَّ قال: (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: 88). وقال -تعالى-: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72). ولا أمن ولا أمان يوم القيامة لمن وقع في الشركيات، قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنَّه لمَّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: (لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، (لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ): بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (رواه البخاري ومسلم). وفي الحديث المرفوع: (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ) (رواه مسلم). وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (النساء: 48). فمَن نقض توحيده بقول أو فعل ومات على ذلك فلن يغفر له ذنبه، بخلاف الموحد يُرْجَى له مغفرة ذنوبه. وثبت مرفوعًا: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) (رواه مسلم).

ولا يكون ذلك إلَّا بتعلم المرأة كالرجل العلم الشرعي الذي يقوم عليه دينها، وهو على قسمين:

- فرض عين: بتعلم ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وتعلم ما لا يقوم الدين إلَّا به من أمور الإيمان والتوحيد، وتعلم أحكام الطهارة وأحكام الصلاة وأحكام الصيام، وحقوق زوجها عليها، وعلى أي شيء تربي أولادها، وما أمر به الدين من الواجبات الأخرى وما نهى عنه.

- فرض كفاية: وهو ما إذا قام بتعلمه البعض من الأمة سقط الإثم عن الباقين. وعلى المسلم أن ينهل منه ما يستطيع ففضل العلم كبير وشأن أهله عظيم؛ قال -تعالى-: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114)، وقال -تعالى-: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9)، وقال -تعالى-: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)، وفي الحديث المرفوع: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني).

وتزداد حاجة كل مسلم -خاصة النساء- للعلم الشرعي في زماننا لأمورٍ؛ منها:

1- عدم وضوح التصور الإسلامي للكون والحياة لدى الكثيرين نتيجة التشويش المتعمد على العقيدة الإسلامية.

2- قوة علاقة المرأة بأسرتها وأثرها الكبير عليها، خاصة في ظل تقصير كثير من الرجال في حق أسرهم نتيجة ضغط العمل والحياة.

3- البلبلة الفكرية السائدة التي يموج بها المجتمع بالثقافات الوافدة التي تضغط على المرأة المسلمة وتعرضها لتناقضات غريبة.

4- ما تبثه وسائل الإعلام المختلفة من ثقافة في طياتها الغث والسمين، تُعَدُّ مغايرة، بل ومحاربة للدين وتهدد بتربية النشء تربية غير إسلامية بل مناقضة للتربية الإسلامية السليمة.

5- ما يسري بعمق في مجتمعاتنا من فساد أخلاقي مرجعه إلى الترويج للتغريب وللعولمة وفق مخططات خاصة تركز على المرأة المسلمة حيث تقوم بهجمة شرسة على آداب وأخلاق المرأة في الإسلام. وهذه التحديات أصبحت توجب علينا الحفاظ على التزام المرأة المسلمة بدينها، وإعانة زوجها في أمور دينه ودنياه، والحفاظ على تماسك أسرتها وترابطها، وحماية أولادها ممَّا يخالف الإسلام أو يلوث فطرتهم النقية.

من واجبات المسلمة تجاه نفسها:

- ممَّا ينبغي للمرأة المسلمة حماية نفسها من اقتراف المعاصي والذنوب، والتغلب على هوى النفس وحب الشهوات، خاصة أنَّ الشيطان يعتبرها أداته لإغواء جنس الرجال.

- عدم تساهلها في أمر العبادات، من المواظبة على الصلوات المفروضة في أول وقتها مع الخشوع، والإكثار من النوافل، وأخذ حظها من قيام الليل، والصيام في رمضان، وفي غيره ولو ثلاثة أيام من كل شهر، والإكثار من تلاوة القرآن وختمه، وأخذ نصيبها من حفظه ودراسة تفسيره، والمداومة على ذكر الله -تعالى- ليل نهار؛ لتكون كمن قال -تعالى- فيهم: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: 35).

- الحذر من إتيان السحرة والدجالين والعرافين، ومجالسة الفسقة والمنحلين؛ إذ إنَّ أكثر أتباع هؤلاء نساء.

- الحذر من مجالس النميمة والغيبة والبهتان، وكثرة القيل والقال، والإسراف في الإنفاق والاستهلاك، فهي من الكبائر المهلكات.

- الحذر من التساهل في أحكام الشرع في الملبس والمظهر، بالتحجب والستر وفق الشرع، والحذر كل الحذر من التشبه بالكافرات والفاسقات والمتبرجات. لقد أصبح مجتمعنا اليوم في أمسِّ الحاجة (إلى المرأة التي مظهرها ينبئ عن مخبرها، فلم تتأثر بشرق أو غرب، ولا بتيار أو موضة، ولم تتبع كل صيحة فهي قدوة في مظهرها كما هي قدوة في مخبرها، جسدها محفوظ، وعفتها ظاهرة، وملبسها وقلبها نظيف ظاهره وباطنه، آمنت وعلمت وعملت) "رسالة المرأة المسلمة ومسؤولياتها في الواقع المعاصر، د. فالح بن محمد الصغير).

- الحذر من التساهل في مخالطة غير المحارم، فالأصل للمرأة القرار في بيتها، فلا تخرج منه إلَّا لضرورة أو حاجة معتبرة شرعًا، مع الخروج بكامل حجابها وكامل حيائها ومراعاة غض بصرها، وألَّا تكون فتنة للرجال حولها، وهذه أخص سمات المرأة المسلمة العفيفة المراعية لحق ربها وحق زوجها وحق أهلها، ولا يغرنها تساهل أقرانها من النساء في ذلك عند غياب الرقيب عليهنَّ، فالله -تعالى- المطلع عليهنَّ أمرهنَّ بملازمة بيوتهنَّ، وبالتحجب والستر إذا خرجن منها، وأمرهنَّ بغض البصر، وعدم التبسط والترقق في الحديث مع الرجال إن اضطرت أو احتاجت للحديث معهم، والأولى لها الخروج مع زوجها أو أحد محارمها ليكفيها هم ذلك.

من واجبات الزوجة في بيتها:

- وتتضمن واجباتها نحو زوجها: فللزوج على زوجته حق عظيم، أعظم من حق والديها عليها، فإذا كنا نقول للأولاد إنَّ الجنة تحت أقدام الأمهات، فليس من باب المبالغة أن نقول للزوجات إنَّ الجنة تحت أقدام أزواجهنَّ. قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني). ومرفوعًا: (لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا) (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح"). وفي الحديث المرفوع: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ الْوَدُودُ الْوَلُودُ، الْعَؤُودُ الَّتِي إِذَا ظُلِمَتْ قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ، لَا أَذُوقُ غُمْضًا حَتَّى تَرْضَى) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). ومرفوعًا: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي النساء خير؟ قال: (الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). ومرفوعًا: (لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ومرفوعًا: (لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى امْرَأَةٍ لَا تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا وَهِيَ لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم- لامرأة: (أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ أَنْتِ إِلَيْهِ؟ قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). ومرفوعًا: (لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (رواه البخاري ومسلم). ومرفوعًا: (أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا: فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). ومرفوعًا: (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) (رواه البخاري ومسلم).

وهذه الأحاديث توجب على الزوجة:

- طاعة الزوج فيما يأمرها به ويطلبه منها وعدم إغضابه في غير معصية الله -تعالى-.

- حفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله وبيته.

- التزين والتصنع له بما يرغب هو فيه، فلا تقع عينه منها إلَّا على كل جميل، ولا يشم منها إلَّا كل طيب، لأجل أن ترغبه في نفسها، فيغض بصره ولا يطلقه في الحرام.

- حسن معاشرته وكف الأذى عنه وإرضاؤه ومراعاة نفسيته.

- التحبب والتودد إليه، فتبتسم في وجهه وتتلطف في مخاطبته، ولا تسمعه إلَّا كلامًا لطيفًا وعبارات حسنة.

- الاعتراف بفضله عليها وشكره وعدم كفران نعمه، فلا تجحد معروفه حتى وإن كان حريصًا على ماله أو بخيلًا.

- ومن تمام واجباتها إشاعة جو من المحبة والتسامح والهدوء في البيت، وإطلاع زوجها على أحوال أولاده وشؤونهم، وحثه على القيام بدوره تجاههم، وإعانة زوجها على أداء عمله الذي يتكسب منه، وتشجيعه على عمل الخير، والتعاون معه في ذلك، وتشجيعه على طلب العلم الشرعي، وحثه على المساهمة في العمل الدعوي ما أمكنه.

ومن واجبات الزوجة في بيتها كأم:

قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: 6). قال الحسن -رحمه الله-: مُروهم بطاعة الله، وعلموهم الخير. وفي الحديث المرفوع: (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا).

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنَّما جاء فسادهم من قِبَل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاب بعضهم والده على العقوق، فقال: يا أبت إنَّك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا: (تحفة المودود). ولا شك أنَّ مسؤولية الأم كمسؤولية الأب فما تستطيع أن تفعله مع أولادها في هذا الأمر خطير، قصر الوالد في ذلك الواجب أم لم يقصر.

ومن واجباتها هنا:

- تعويدها طفلها على ذكر الله من صغره.

- غرسها محبة الله -تعالى- في نفس طفلها.

- غرسها تعظيم الله -تعالى- وخشيته في نفس طفلها.

- غرسها مراقبة الله -تعالى- في نفس طفلها.

- تعويدها طفلها على الكلمات الطيبة مثل: جزاك الله خيرًا.

- تعويده على الأدعية الممكنة وأذكار الطعام والنوم ونحوه.

- إعاذة طفلها بتعوذ النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن والحسين -رضي الله عنهما-: (أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ) (رواه البخاري)، حتى لا يتعرَّض له الشيطان. قالت امرأة عمران في حق ابنتها مريم: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) (آل عمران: 36- 37).

- تحفيظ طفلها ما يستطيع من آيات القرآن الكريم، وكذلك قدرًا من الأحاديث النبوية المناسبة.

- تعليم الطفل شيئًا مناسبًا من السيرة النبوية، ومواقف مؤثرة من سير السلف الصالح لغرس المعاني الكبيرة والنبيلة في نفوس الصغار الإسلامي، مع تحفيزهم وشحذ هممهم وتنمية طموحهم للأخلاق والأعمال والمهام الجليلة.

- تدريب الأطفال عمليًّا على أخلاق الإسلام وآدابه، وتعويدهم عليها، كالصدق في القول والعمل وعدم إخلاف الوعد والوفاء بالعهد، مع المتابعة والمراقبة لأعمالهم وسلوكهم وأقوالهم وتقويمها، فهذا أنسب سن للتهذيب والتقويم.

قال الشاعر:

إنَّ الغـصـون إذا قــوَّمتها اعتدلت          ولا يـلـيـن إذا قـوَّمـتـه الخــشـب

قد ينفع الأدب الأحداث في مــهــل         وليس ينفع في ذي الشيبة الأدب

- أمَّا في سن المراهقة والشباب فتزداد مسؤولية الوالدين ويحتاج الأمر إلى تعاون الوالدين معًا في تربية الأولاد.

وبالنسبة للأم فعليها في هذه المرحلة:

- التعاون والتنسيق مع الأب في رعاية الأبناء.

- المتابعة المنزلية للأولاد، وتوفير البيئة المناسبة لأمور الخير والصلاح، وإضعاف ما يناقضها.

- إشعار الابن والبنت بقيمتهما، بإشعار الابن برجولته بالقيام بمهام الرجال وتحميله شيئًا مناسبًا من أعباء الأسرة، وكذلك إشعار البنت بكونها أنثى عليها القيام بمهام النساء، وتحمل شيئًا من المسؤولية في أعمال المنزل، وعدم إهمال ذلك بالكلية بأي مبرر، لتمرينهما على أعباء المستقبل.

- بداية مرحلة من الصداقة مع ابنتها وإشعارها أنَّها صديقة لها مع كونها أمها، لئلَّا تخفي عليها ما قد يكون سببًا في الإضرار بها وهي لا تدري.

- إطلاع الأب على أحوال أولاده، وعدم إخفاء أي تصرفات غير مقبولة من أولاده الذكور أو الإناث.

إنَّ هذه المسؤوليات تؤكد على أنَّ الأم في بيتها هي حاضنة ومربية ومعلمة ومدبرة ومنفذة، وهي بالتالي من تُعِدُّ للأمة أجيالًا من الصالحين الأفذاذ من العلماء والدعاة والمفكرين والصناع والمجاهدين والأبطال. وحق دخول الجنة والتمتع بما ذكرناه من نعيمها في النفس والمسكن هو على قدر ما تتحمله وما تحققه المرأة بالفعل تجاه خالقها ونفسها وزوجها وبيتها وأولادها من المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقها.

ومن كمال ذلك الحذر ممَّا يبطل ثواب ذلك، ومنه:

- قضاء الأوقات خاصة أوقات الفراغ في سماع ومشاهدة ما تحتوي عليه وسائل الإعلام من اللهو والعبث والمعاصي. ومن مصاحبة ومجالسة صديقات السوء والتجول بالطرقات والانشغال بالمكالمات الهاتفية غير المفيدة شرعًا، بما يعني استهلاك الأزمان في معصيته -تعالى- والإنسان مسؤول عن عمره ووقته دقيقة بدقيقة -بل ثانية بثانية- فيما أفناه.

- اتباع ما يُجْلَب من بلاد الكفار من أنواع الموضات والتقاليع في الملابس والتسريحات ونحوها، وغالبها الغرض منه الزينة الملفتة للانتباه والأنظار، مع ما فيها من أنواع التشبه بالكافرات المنهي عنه، بل والتشبه بالرجال المنهي أيضًا عنه.

- الخروج للأسواق لغير حاجة والإكثار من التجول فيها وفي الطرقات، وهذه آفة خطيرة انتشرت فالأسواق شر بقاع الأرض ومرتع للشيطان. ومرفوعًا: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). والمراد أنَّها فتنة للرجل فينبغي حجبها وسترها.

- الخروج إلى المتنزهات والملاهي التي فيها الاختلاط والتبرج واقتراف الشرور والآثام.

من واجبات المرأة تجاه مجتمعها:

- النصح لصديقاتها وجاراتها والإحسان إليهنَّ. ففي الحديث المرفوع: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) (رواه البخاري ومسلم). ومرفوعًا: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) (رواه مسلم). سواء النصيحة المباشرة عند طلبها أو النصيحة غير المباشرة حسب الحال والمقام، وتعليمهنَّ ما يحتجن إليه من أحكام الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومرفوعًا: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) (رواه مسلم). ومرفوعًا: (بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً) (رواه البخاري). ولا شك أنَّ المرأة أقدر من الرجل في الحديث مع النساء فيما يخصهنَّ من أحكام الدين، خاصة بالدعوة الفردية والنصيحة الشخصية.

- النصح والإرشاد لقريباتها وصلة رحمها بتوجيههنَّ عند رؤية ملاحظة شرعية في الملبس والسلوك والكلام.

- مساعدة الفقيرات والعطف على المساكين، ومواساة الأرامل والمبتليات، وسد حاجات المحتاجات وعيادة المريضات.

- تقديم الهدايا إن أمكن، ويُفَضَّل أن تكون كتابًا أو رسالة مفيدة أو تسجيلًا فيه موعظة أو تعليم لأمور شرعية. (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) (رواه البخاري ومسلم).