كتبه/ عبد الله بدران
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالمرأة الواعية تستطيع أن تكون صاحبة رأي رشيد، وأن تسهم في إصلاح ذات البين، وأن تجمع الكلمة، وأن تكون سببًا في تجاوز أزمة أو تهدئة خلاف، كما تستطيع من خلال التربية والتواصل والعلاقات الإنسانية أن تصنع أثرًا يتجاوز حدود الموقف الذي بدأت منه.
ولعل من أبلغ النماذج على ذلك: موقف أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله عنها- يوم الحديبية، فبعد أن انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من عقد الصلح، أمر أصحابه أن ينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم تحللًا من الإحرام، لكنهم تأخروا في تنفيذ الأمر، لا اعتراضًا ولا معصية، وإنما من شدة الحزن؛ فقد كانوا يرجون دخول مكة وأداء العمرة، فإذا بهم يعودون دون أن يطوفوا بالبيت.
وفي هذا الموقف الصعب، دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة -رضي الله عنها- واستشارها، فجاءت مشورتها هادئة وحكيمة؛ إذ أشارت عليه أن يخرج فينحر هديه ويحلق رأسه دون أن يكلم أحدًا، فإنَّ الصحابة إذا رأوه فعل ذلك اتبعوه.
وهكذا كان؛ خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعل ما أشارت به أم سلمة -رضي الله عنها-، فلمَّا رأى الصحابة -رضي الله عنهم- ما فعل بادروا إلى النحر والحلق.
لم تكن أم سلمة -رضي الله عنها- صاحبة قرار رسمي، لكنها كانت صاحبة رؤية وحكمة في لحظة احتاجت إلى الرؤية والحكمة. وكانت كلمتها سببًا في تجاوز موقف بالغ الصعوبة، وإنهاء حالة من الجمود، والحفاظ على وحدة الصف.
وهنا تظهر قيمة المرأة الواعية في العمل العام والمجتمعي؛ فهي ليست مجرد مشاركة في الأحداث، وإنما يمكن أن تكون جزءًا من صناعة القرار وحل المشكلات وإطفاء الفتن وتقريب وجهات النظر، متى امتلكت الإخلاص والعلم والحكمة، لكن كل ذلك يبدأ من الداخل؛ من النية. فالعمل الذي يتحول إلى بحث عن المدح أو منافسة على الظهور أو انشغال بالأشخاص قد يفقد كثيرًا من بركته. أمَّا العمل الذي يكون أصله لله ويظل هدفه خدمة الناس والإصلاح فيمكن أن يترك أثرًا كبيرًا حتى وإن كان في نظر الناس بسيطًا.
ومن هنا، فإنَّ المرحلة المقبلة تحتاج قبل أي شيء إلى تجديد الصلة بالله -تعالى-، ثم إتقان العمل، ثم الحفاظ على ترابط الصف، فنجاح أي مشروع لا يعتمد فقط على قدرات أفراده، وإنما على قدرتهم على العمل معًا، وعلى شعور كل واحد منهم بأنَّ نجاح أخيه أو أخته هو نجاح له.
وفي النهاية تبقى الرسالة الأهم: أنَّ العمل الصالح لا يقاس دائمًا بحجمه الظاهر، وإنما بصدق النية وحسن الأثر والاستمرار. وأنَّ المرأة حين تجمع بين العبادة وحسن الخلق والتربية والحكمة وحسن التواصل، فإنها لا تقوم بدور ثانوي، بل تشارك في بناء الإنسان والأسرة والمجتمع.
ولذلك فإنَّ المطلوب ليس فقط أن نشارك، وإنما أن نترك أثرًا، وأن نكون ممن يجمعون ولا يفرقون، ويبنون ولا يهدمون، ويقربون القلوب ولا يباعدون بينها.
فقد تكون كلمة واحدة سببًا في إصلاح أسرة، وقد تكون زيارة سببًا في إنهاء خلاف، وقد تكون رعاية فتاة صغيرة بداية لصناعة شخصية نافعة، وقد يكون موقف هادئ وحكيم سببًا في تجاوز أزمة كاملة.
وهذه هي قيمة العمل حين يتحول من مجرد حضور إلى رسالة، ومن مجرد مشاركة إلى أثر، ومن جهد قد لا يراه الناس إلى عمل يراه الله ولا يضيع أجره.