الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 08 يونيو 2026 - 22 ذو الحجة 1447هـ

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (259) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (9)

كتبه/ ياسر برهامي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).

الفائدة السابعة عشرة:

دل قوله -سبحانه وتعالى-: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ): على شدة خوف الأنبياء من الله -عز وجل-، وخوفهم من خزي يوم القيامة؛ فأولى بباقي البشر أن يكون عندهم هذا الخوف، خوف الخزي من الشرك بالله -سبحانه وتعالى-، والكفر بأنبيائه وتكذيب رسله، وتكذيب كتبه؛ فهذا الخزي العظيم الذي يخزي الله به الكفار، كما قال -تعالى-: (فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (الزمر: 26).

ودلَّ ذلك على ضلال مَن يقول: "لا أعبد الله خوفًا"؛ فخليل الرحمن -صلى الله عليه وسلم- يخاف من خزي يوم القيامة، وهؤلاء يدعون أنهم لا يعبدون الله -عز وجل- خوفًا من عذابه! ولا شك أن هذا من البدع المحدثات والضلالات التي اخترعها بعض الصوفية الذين زعموا أن عبادة الخوف عبادة العبيد!

إذا كان الأنبياء -صلوات الله وسلامهم عليهم أجمعين- يتعبدون لله -سبحانه وتعالى- بهذا الخوف؛ فكيف يُتصوَّر أن غيرهم لا يخاف الله -عز وجل-؟! أو أن يزعم أحدهم أنه سوف ينصب خيمته على النار فيمنع جميع مريديه من دخولها؟! ويستخف آخر فيقول: إنه سينصب خيمته على النار، فيمنع الناس جميعًا من دخولها! وهذا كفر وضلال -نعوذ بالله منذ ذلك-.

ودلَّت الآية الكريمة على أن يوم القيامة لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا أب ولا أم ولا أخ، لا ينجي من عذاب الله إلا ما يرضيه -سبحانه وتعالى-، وهذا المعنى قد تكرر كثيرًا في القرآن العظيم؛ قال الله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان: 33)، وقال -سبحانه وتعالى-:  (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) (عبس: 34-37).

وقال -سبحانه وتعالى-: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ) (المؤمنون: 101)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا . يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ . وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ . وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ . كَلَّا إِنَّهَا لَظَى . نَزَّاعَةً لِلشَّوَى . تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى . وَجَمَعَ فَأَوْعَى) (المعارج: 10-18).

وفي السُّنة أيضًا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا إِنَّ آلَ أَبِي -يَعْنِي فُلَانًا- لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) (متفق عليه).

وقال -سبحانه وتعالى- في عدم نفع المال يوم القيامة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمران: 91)، وآيات غيرها كثيرة.

فليعد كلُّ عاقل لهذا اليوم عدته؛ فإنه لا ينفع أهل ولا مال ولا ولد؛ كلٌّ يبحث عن نفسه.

نسأل الله أن يعيذنا من شر هذا اليوم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.