الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الأربعاء 03 يونيو 2026 - 17 ذو الحجة 1447هـ

الأعمال الفنية والخطوط الحمراء

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكلما صدر نقد لعمل فني ممَّن يتبنى المرجعية الشرعية -فردًا كان أو حزبًا أو جمعية دعوية-، سارع أهل الفن إلى التترس بحجج واهية؛ منها: قولهم: إن الاتجاهات الدينية تحرِّم الفن كله (أو معظمه على الأقل)، ورفضها للعمل محل الانتقاد ينطلق من هذا الرفض؛ فلا ينبغي أن يُلتفت إليه!

ونحن بالفعل ندعو الفنانين -وغيرهم- إلى الالتزام بضوابط الحلال والحرام كاملة، وفي كل الأعمال، ولكن هناك أعمال لا تكون مشكلتها فقط في المخالفات الشرعية التي نستنكرها على معظم الأعمال الفنية، بل يتخطَّى ذلك ليكون موضوع العمل ذاته قائمًا على التحريض على الفسق والفجور، أو التحريض على الانفلات الأخلاقي، أو ما هو أفحش من ذلك من تضمن العمل للسخرية من عقيدة دينية أو شعيرة دينية أو رمز ديني.

ففي هذه الأحوال يوجد اعتباران مختلفان عن باقي الأعمال الفنية:

الأول: كون المنكرات التي فيها أشد من سائر الأعمال الفنية، بل ترقى إلى أن يعتبرها كثير من العقلاء تهديدًا لثوابت المجتمع وإفسادًا لعقول أبنائه.

الثاني: وبناءً على الوصف السابق، نجد أمامنا وسيلة إنكار يمكن استعمالها تجاه هذه الأعمال التي تبلغ تلك الدرجة من المخالفة، وذلك لوجود جهات منوط بها منع ما هذا شأنه، فناسب حينئذٍ أن نطالبها بالقيام بدورها.

وهذا يعني أن لدينا وسيلة زائدة في الإنكار في مثل هذه الأعمال البالغة السوء، والمصادمة لثوابت المجتمع، فلزم الأخذ بها.

هذا بالنسبة للاعتبارات الشرعية. وأما بالنسبة للمعايير القانونية المعاصرة فهو نوع من الإيجابية ومحاربة للسلبيات من خلال الأدوات البرلمانية التي كَفَلها الدستور والقانون، أو من خلال البلاغات للنيابة العامة، والتي صارت هي أداة إنكار المنكر التي يكفلها النظام القانوني الحديث.

ولا يظنن أحد أن هذا الفن الحديث شيء مستحدث، ومن ثمَّ فليس عندنا نصوص تبيِّن حكمه؛ فقد كانت الفنون معروفة في الحضارات القديمة؛ كما وجدت في كل الشعوب الصورة الأكثر بساطة من الفنون، وهي: "الحكي"، سواء بقصص من الواقع أو الخيال أو التاريخ، وغالبًا ما يكون الإضحاك غرضًا لكثيرٍ من هذا "الحكي"، ووسيلته السخرية من شخص أو فكرة أو قوم أو مهنة، وهي وسيلة شيطانية خبيثة يرغِّب الشيطان فيها الناس طلبًا لمتعة "الضحك" بينما هو يوقع بينهم العداوة والبغضاء؛ ولذلك حرَّمها الشرع تحريمًا قاطعًا؛ فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات: 11).

ومن هذا الباب استثمر منافقون مبغضون للنبي -صلى الله عليه وسلم- ميل النفوس الضعيفة للتسلية بالسخرية من الآخرين، فجعلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مادة للسخرية فقالوا: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء!".

وضعاف الإيمان رغم أنهم ليس في قلوبهم البغض للنبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن لم يكن تعظيمه في قلوبهم كافيًا لكي يقطعوا لذة الحديث والسخرية و"الكوميديا" غضبًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فاستمروا في السماع.

وكانت المفاجأة أن الله حكم بكفر هؤلاء الذين كانوا قبل تلك الورطة مؤمنين، ولكن لم يمنعهم إيمانهم الضعيف من الاستمرار في سماع السخرية من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ناهيك عن الساخرين المنافقين من بداية أمرهم، فقال الله -عز وجل-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) (التوبة: 65-66).

وكثيرًا ما يواجه المدافعون عن تلك الأعمال الانتقادات الموجهة إليها بنوع من التعامي عن أن اللغة تتضمن التعبيرات المباشرة، وتتضمن أيضًا المجاز والكناية والتورية؛ فيزعمون أن كلامهم بريء لولا تربص الناقدين!

وهم أنفسهم الذين يثنون على الكاتب في نجاحه في صنع المواقف المضحكة و"الإفيهات" الساخرة، وهي لا تٌصنع إلا بمثل تلك الإسقاطات.

ومع أن الجمهور لو حمل أعمالهم الفنية على الظاهر وتعامى عما فيها من إسقاط جنسي تارة، وسخرية من أقوام أو مهن أو نحوها تارات أخرى، لما وجد أصلًا ما يمكن أن يطلق عليه: "كوميديا"، وبالتالي فهذا الإنكار في واقع الأمر لا يغني عن أصحابه شيئًا.

ومن هذه الأعمال تعلَّم الناس الكثير من الإيحاءات الجنسية، والتي توسَّع القانون في تعريفها فجعلها تشمل: الألفاظ ذات الدلالة الجنسية أو المزدوجة، ونظرات العين وحركات الجسد التي تحمل أي دلالة من هذا النوع، ثم جعل الإتيان بها أمام الغير تحرشًا يعاقب عليه القانون، ولا يلتفت القانون لادعاء البراءة والسذاجة التي يدعيها المتورطون في تلك الأفعال عندما يواجههم بها القضاء.

بينما تفسح بعض المنصات الإعلامية لصُنَّاع الأعمال الفنية المجال ليكابروا ويعاندوا، ويدعوا براءةً ليس فيها من حقيقة البراءة شيء!

وآخر ما يلوذ به هؤلاء هو: "التترس بالليبرالية المفرطة"؛ فيدعون أن الفن لا يمكن أن يحاكم إلا بمعايير العمل الفني وفقط!

وهذا أمر يخالف واقعهم، فهم يراعون في أعمالهم الكثير من الخطوط الحمراء، ولكنهم يتمردون على مَن يطالبهم بعدم تجاوز الخطوط الحمراء دينيًّا.

وعلى فرض أنهم لا يراعون أي خطوط حمراء؛ فكان الواجب عليهم أن يراعوا الخطوط الحمراء دينيًّا -على الأقل-.

وبيان النقطة الأولى كالتالي:

- ماذا لو كتب كاتب مقالة -وهي عمل أدبي- يتحدث عن دور الفن في إفساد المجتمع؟ وهو أمر ينطبق على النسبة الأكبر من أفلام البلطجة والمخدرات، سواء انتصر البطل المتعاطي للمخدرات في النهاية أم تاب أم سقط في أيدي الشرطة، فالذي يعلق في ذهن الشاب المراهق هو ما تصوِّره له الكاميرا من لحظات النشوة، والشعور بالقوة والسيطرة على مدار 90% من وقت العمل الفني.

أو الأفلام التي تُصوَّر نصف مشاهدها في المراقص والخمارات، والنصف الثاني في بيوت، والتي -للأسف- يحتل فيها "البار" موقعًا بارزًا في مكان الاستقبال في تلك المنازل الفارهة، فيصدق عليهم قول شاعر الفسوق: (وداوِني بالتي كانت هي الداء!)؛ فالأبطال لا يضعون الكأس من أيديهم في البيت كانوا أو في الخمارة! ومِن ثَمَّ يعلق بذهن المشاهد الارتباط بين الرفاهية وبين الخمور.

وأما الارتباط بين النضج وبين شرب السجائر فآفة غرستها أعمال سينمائية قديمة، ولم تقتلع من المجتمع حتى الآن، ويقع فيها الشاب ويكذب على والديه ويتمرد عليهما من أجل شرب السجائر في بداية شبابه، وبعد أن يصبح أبًا وهو أسير سيجارته ينصح ابنه ألا يكرر تجربته، ولكنها تتكرر في كل جيل وفي معظم الأسر إلا مَن رحم ربي، وبذات السيناريو تقريبًا.

والفنانون لا يتعاملون مع هذه الكتب والمقالات من مدخل: هل هي تفي بالمواصفات الفنية للمقالة، وأن لها مقدمة وجسمًا وخاتمة، إلخ… أم لا؟ بل إنهم يشتبكون مع الرسالة التي تقدمها تلك الأعمال -وهي أعمال أدبية وفنية- ويعتبرونها تطرفًا، بل ربما عدوها إرهابًا!

- عندما يخرج عمل فني يسيء إلى مهنة لها نقابة مهنية قوية، تخرج هذه النقابة لتحاسب مضمون العمل وتحتج عليه، ولا يجرؤ أحد حينها أن يقول لهم: "ناقشوا فنيات العمل فقط"!

- هناك فنانون مخضرمون أدركوا المَلَكِيَّة فقدَّموا أعمالًا مجَّدَت الملكية، ثم أدركوا ثورة يوليو فقدموا أعمالًا مجدتها، وقدَّموا أعمالًا انتقدوا فيها الملكية على خلاف أعمالهم القديمة! ولا أظنهم كانوا يجرؤون في أي مرحلة على السخرية أو الإسقاط على كبار ساسة العصر الذي يعيشونه، ولو فرض أن أحدهم قام بذلك فحوكم؛ فغالبًا ما يحاكم وحيدًا لا يتضامن معه أحد، ولو تضامن معه متضامن فإنه يتضامن من باب مناشدة السلطات أنها غلطة ولن تتكرر!

- إبراهيم عيسى صاحب فيلم "الملحد" والذي قدَّم فيه الملحد في صورة الباحث عن الحقيقة، وقدم المتدينين في صورة المقلِّد الذي لا يدري ماذا يعتقد. وقد دافع عن الفيلم هو وكثير من الفنانين بدعوى حرية الإبداع، وهو نفسه يرى أن انتقاد عبادة البَقَر شيء غير أخلاقي، وأبدى أسفه بشدة من السخرية من عبادة البقر في بعض الأعمال! (أي: إن إبراهيم عيسى وضع قيودًا على العمل الفني في انتقاد الوثنية، بينما لا يضع هذا القيد في شأن دين الله -عز وجل-! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم!).

- في حدود علمي فإن صُنَّاع الفنون في بلادنا ما زالوا يرون أن الأعمال الإباحية المحضة جريمة لا يمكنهم أن يشاركوا فيها؛ لما فيها من عدوان على الدِّين والخلق، ولما فيها من إفساد الشباب، حتى لو كانت مكتوبة بحرفية ومصورة بأحدث الكاميرات، وتم إخراجها من قِبَل أكثر المخرجين احترافية -أعني حتى لو كانت من الناحية الفنية في أعلى درجات الجودة-.

ووجود مثال واحد -مثل هذا- اعتبرت فيه ضوابط أخرى لمنعه غير المعايير الفنية المجردة؛ يسقط دعواهم بألا يحاكم الفن إلا لقواعد فنية محضة، إذًا فثمة خطوط حمراء سياسية واجتماعية وأخلاقية -حتى لو كانت لا تقوى إلا على رفض الإباحية المطلقة-.

وعلى فرض أنهم كسروا كل التابوهات، ولبسوا ثوب المعارضين الأشاوس سياسيًّا، ولم يخافوا من النقابات المهنية، ولا من الهيئات الكبرى؛ فهذا لا يسمح لهم البتة في السخرية من الدِّين وشعائره.

فيلم "برشامة":

بالطبع نحن لا نتابع الأفلام والمسلسلات، ولكن عندما يبالغ صُنَّاع عمل ما في الخروج على الثوابت تتحرك نخوة بعض مَن يشاهد هذا العمل للكتابة عنه، وهي أمور صار التثبُّت منها ميسورًا في ظل أن المشاهد الأكثر تأثيرًا في الأعمال الفنية غالبًا ما تنتشر في مقاطع قصيرة.

والفيلم المذكور مستوحى بشكل كبير من "مدرسة المشاغبين"، وبالمناسبة: فإن الفنان "أحمد ماهر" كان له تصريح أن "مدرسة المشاغبين" أفسدت جيلًا بأكمله؛ فهذه شهادته رغم انتمائه لهذا الوسط! فما بالك كيف ستكون شهادة خبراء التربية والدُّعَاة والمصلحين؟!

و"مدرسة المشاغبين" تدور داخل فصل دراسي كل طلبته مشاغبون، عدا واحد مغلوب على أمره، وتحاول مُدرّسة الفلسفة أن تصلح حالهم، وتنتهي المسرحية أن الطلبة انصلح حالهم، وهذا المشهد الأخير العابر لا يعلق منه في ذهن المشاهد شيء بعد ما تشرَّب طوال العمل كيف يهين زميله، وكيف يسخر من معلِّمه، بل ومن ناظر مدرسته -وحال المدارس منذ ظهرت هذه المسرحية خير شاهد-.

وأما صانعو العمل الجديد فقد قرَّروا أن يكون الفصل لجنة امتحان منازل، ويلعب الأبطال أدوارًا مختلفة، تشترك في أنهم طلاب دخلوا لجنة الامتحان، وهم لا يعرفون عن المنهج شيئًا، وبالتالي فحتى محاولات الغش تبدو مضحكة، وهو المطلوب إثباته.

وكان من الممكن أن يختار الكاتب أن يكون الامتحان في "الفلسفة" -مثل أصله مدرسة المشاغبين-، أو أي مادة، ولكن شيطان كاتب هذا الفيلم تفوَّق على شيطان مؤلف مدرسة المشاغبين؛ فاختار أن يكون سؤال البلاغة يدور حول آيات من القرآن، وسؤال النصوص يدور حول حديث من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكل ما ورد من محاولات غش كان في السؤال الأول المتعلق بتفسير الآيات.

وهنا ندرك أن المؤلف والمخرج والأبطال بهذا الاختيار كان لديهم هدف محدد؛ وهو صنع إفيهات تتعلق بالدين -لا سيما وأنه واقعيًّا لا يحدث غش في لجان الدِّين؛ لكونه خارج المجموع!-.

ثم كمزيدٍ من التوظيف الكوميدي للدين، فقد اختار المؤلف أن يكون الطالب الوحيد المتفوق محصلًا لمنهج الدين بالطبع، بل ويطبِّق الدين في حياته، فيرفض الغش، ويأخذ موقفًا من إحدى طالبات المنازل في اللجنة؛ لأنها راقصة، وينزعج حينما يجدهم يشربون الحشيش في اللجنة.

والعجيب: أن الناقد الفني "طارق الشناوي" صرَّح بأن رسالة الفيلم هي إبراز أن تشدد البطل شيء منافٍ للدين!

ولا يوجد موقف نسب فيه للبطل تشدد إلا إصراره على الاغتسال لكونه أصابه بول طفل (وهذا يبدو من جهل صُنَّاع الفيلم بالشرع، وأن تطهير النجاسة لا يلزم فيه اغتسال ولا خلع للملابس، بل يمكن تطهيرها على حالها طالما أن النجاسة معلومة الموضع).

ولكن يبدو أن صُنَّاع الفيلم يرون أن الإنكار على من يغش وعلى من يشرب الحشيش في لجنة الامتحان تشدد!

وكمزيدٍ من الحرص على توليد مواقف كوميدية مبنية على أمور دينية؛ ظهرت شخصية العمدة وابنه الذي يمتحن في تلك اللجنة. وتفتق ذهن العمدة -أقصد المؤلف الذي كتب شخصية العمدة- أن يذهب إلى المسجد لكي يحل الامتحان في الميكروفون على أنه درس ديني.

وكمزيد من الكوميديا -على حساب شعائر الله- فقد صوَّر لنا كاتب الفيلم أن العمدة دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فأجبر الإمام على عدم الصلاة، وعلى إفساح المجال له لكي يعطي درسًا دينيًّا، وهو يريد أن يجيب عن أسئلة الامتحان في الميكروفون ليسمعها ابنه ومن معه في اللجنة.

وعلى مدار الفيلم، والحوار بين البطل المتدين -والذي هو متطرف في نظر طارق الشناوي- وبين باقي الأبطال الذين يغشون بلا أي وخز ضمير، ويشربون الحشيش بأريحية تامة، بل ويجبرون فتاة ساذجة على تعاطي الحشيش رغمًا عنها لكي تنتشي ويسهل عليهم توجيهها إلى أن تغششهم. ولاحظ خطورة تلقين تلك الحيل الإجرامية، والتي يمكن أن يكون تنفيذها في متناول أي مراهق سيشاهد العمل.

وعندما يرغبهم الطالب المتدين في الجنة فإنهم يسخرون منها بعبارات ضاحكة، بينما ترتسم على وجهه علامات الذهول في رد فعل مضحك -هكذا كُتب السيناريو؛ لأن المؤلف يريد الإضحاك، ولو أراد التقويم لأجرى على لسان البطل حججًا ملجمة بثبات وثقة توقف هؤلاء العابثين عند حدهم، ولكن ليس هذا هو غرض المؤلف- ويخوفهم الطالب المتدين بالنار، فيتفننون في السخرية وهو مستمر على ردود فعله البلهاء، فمن لم يضحك من سخريتهم يضحك من بلاهته! ويقول لهم: "الغش حرام كما قال ابن حنبل"، فيقول له الآخر: "ولكنه حلال في مذهب ابن عمي".

وأما النهاية: فقد كانت ظلمات بعضها فوق بعض؛ فقد صوروا لنا الطالبة التي حضرت اللجنة رغمًا عن أخيها -الذي كان يريد منعها من الامتحان بناءً على رغبة خطيبها-؛ تلك الطالبة التي أرغموها على شرب الحشيش، إلا أنه في النهاية تعاطفت "لجنة الأشقياء" معها خوفًا من عقوبة أخيها وقاموا بتزويجها من أحدهم وعقدوا عليها، وخرجت لأخيها وفي يدها زوجها!

وهذا تحريض آخر للفتيات على الهروب من الأهل والزواج رغمًا عنهم، وهذه الصورة ليست فقط أنها (زواج بدون ولي)، بل زواج بولاية راقصة ومدمني حشيش.

واعتبار أن هذه الصورة الكارثية هي الحل السحري لعضل الولي! كارثة كبرى.

والعجيب: أن كاتب العمل قد تعاطف جدًّا مع صورة الزواج المبتذلة التي قدَّمها؛ فصوَّر لنا الأخ الذي كان يريد قتلها لأنها ذهبت الامتحان رغمًا عنه في صورة العاجز المستسلم هو وخطيبها، حينما خرجت ومعها من ادعته زوجًا لها.

وكمزيدٍ من الواقعية: فقد قام أحد طلاب المنازل وهو سجين جاء للامتحان، وهو من أجبر الفتاة على شرب الحشيش، ليهدد أخاها أن يرضى بالزواج وإلا فسوف ينتقم هو منه!

وحتى لا تختلط الأمور نؤكد أن الشرع -ومن ثمَّ محاكم الأحوال الشخصية- قد كفلت للمرأة التي يُكرهِها وليها على من لا ترضاه أن ترفع أمرها للقاضي ليقضي بمنع الزواج إن لم يكن تم، أو فسخه إذا كان قد تم، وذلك عبر حكم قضائي محترم تقوم على تنفيذه الجهات التنفيذية للدولة إذا لزم الأمر.

وأما أن تفر الفتاة من ولاية أخيها -الذي يتصرف تجاهها بحب مع جهل- إلى ولاية من أجبرها قبل دقائق على شرب الحشيش واستعماله لتهديد أخيها، فهل هذا هو المجتمع الذي يريد صناع الفيلم بناءه؟

وأما الصدمة الكبرى فكانت في البطل الذي ظل طوال الفيلم يحارب باقي اللجنة لمنعهم من الغش منه ومن غيره، ويستنكر ما يفعله العمدة في المسجد، فقد انقلب فجأة؛ فهل غشش الجميع؟

لا، لقد اختار صانعو الفيلم أن هذا الرجل المتدين يخص الراقصة بتغشيشها.

بل ارتكب جريمة تزوير، فأعطاها ورقة إجابته بما فيها من إجابات صحيحة لتضع عليها بطاقة بياناتها، وأخذ ورقتها الخاوية على عروشها فوضع عليها بطاقة بياناته.

وهذا يعني عدة احتمالات: أن البطل المتدين ساعة لم الأوراق قد غيَّر موقفه من الغش، وشعر أنه كان يلزمه أن يكون (شهمًا) مع زملاء اللجنة.

ولأنه لا يوجد وقت لتغشيش الكل، فقد اختار الراقصة مبدِّيًا لها عن الجميع، بل عن نفسه، وسيبقى السؤال: لِمَ الراقصة بالذات؟ (تركها المؤلف لخيال المشاهد).

أو يكون الاحتمال أنه انحرف وقرَّر أن يتودد للراقصة.

وعلى أحسن تقدير: أنه تأثر بكلامها معه، أنها تريد الشهادة الدراسية لكي تعتزل الرقص -وسبحان الله! فإن فطرة صناع الفيلم تقول "الرقص حرام" أفلتت منهم هنا لتظهر في خضم كل هذا الخلل-.

وأيًّا ما كانت الدوافع التي تعمَّد صُنَّاع الفيلم أن يبقوها غامضة، وقد كان يسعهم بأي جملة حوارية أو تعبير عن حديث نفس أن يبرزوا دافعًا لهذا التغير المفاجئ لسلوك البطل. وفي النهاية: وجدنا أن البطل الذي كان يرفض الغش يقع في التزوير.

ولنا أن نتخيل لو أن طالبًا في ثانوية عامة مجتهد، ولكنه محدود الثقافة الدينية، لو شاهد هذا الفيلم ترى: هل يتصرف كحال هذا البطل في البداية من رفض الغش -وهو تصرف جعله محل سخرية الجميع وجعله في حالة قلق وتوتر-؟

أم يرفع شعار الغش للجميع؟

أم يرفع شعار الغش للراقصات؟

أم يرفع شعار الغش للجميع، وأما لو راقصة فنزور من أجلها لو اقتضى الأمر؟!

وأما الطالب غير المجتهد والمحدود الثقافة الدينية، فسوف يعتبر أن الشهامة هي أن يتركه المراقب ليغش، وأن اللجنة إذا كان فيها طالب مجتهد؛ فإما أن يغشش من حوله، وإما أن يستحق ما فعله أبطال الفيلم في البطل المتدين!

ولذلك نتقدَّم ببلاغ إلى النائب العام باعتبار كل صناع الفيلم محرِّضين على كل حالات الغش التي ستحدث هذا العام، ومحرِّضون على كل حالات التنمر والتعدي على المشرفين وعلى الطلاب الذين يرفضون تغشيش زملائهم.

طبعا هذا بالإضافة إلى المصيبة الأعظم؛ وهي: السخرية من شعائر الإسلام ورموزه.