الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 أبريل 2026 - 3 ذو القعدة 1447هـ

نصائح وضوابط إصلاحية (85)‏

كتبه/ سامح بسيوني

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد تحدثنا في المقالات السابقة عن توجيهات سورة المدثر: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (المدثر: 1-6)، للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكلِّ مصلح مِن بعده يسير على دربه.

والمقصود: أن هذه التوجهات الربانية -التي هي الزاد الضروري لصحة السلوك المجتمعي للأفراد في أي كيان، أو مؤسسة إصلاحية- هي من الأمور المعينة لهم على قضاء حوائج الناس واصطناع المعروف فيهم، فتقوى بذلك الروابط الإنسانية، وتنمو العلاقات الاجتماعية بينهم وبين الناس، والتي تسهم في قبول الناس للداعي إلى الله ودعوته الإصلاحية، بل والعمل على معاونته في ذلك، كما حدث من ابن الدَّغِنَة مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- كما جاء في صحيح البخاري: عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنها َقالَتْ: "لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ ‌إِلَّا ‌وَهُمَا ‌يَدِينَانِ ‌الدِّينَ، ‌وَلَمْ ‌يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- طَرَفَيِ النَّهَارِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ" (رواه البخاري).

فهذه الكلمات التي ذكرها ابن الدغنة في حقِّ أبي بكر -رضي الله عنه-، والتي تدل كل عبارة فيها على هذا السلوك المجتمعي القويم النافع والمؤثِّر، هي دليل على أهمية وأثر ذلك:

فقوله: "تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ": أي: تبذل من المال الذي اكتسبته للمحتاج أو المعدوم.

وقوله: "وَتَصِلُ الرَّحِمَ": أي: تُحسِن إلى أقاربك بكلِّ ما في إمكانك.

وقوله: "وَتَحْمِلُ الْكَلَّ": أي: تتحمَّل مؤونة الضعيف واليتيم وذي العيال؛ فالكَلُّ أصله الثقل والإعياء.

وقوله: "وَتَقْرِي الضَّيْفَ": أي: تكرم الضيف.

وقوله: "وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ": أي: تجبر بخاطرهم، وتتعاون معهم فيما يتعرضون له من كوارث وحوادث.

وسبحان الله! لو أمعنا النظر في تلك الكلمات التي استحق بهذا أبو بكر -رضي الله عنه- جوار ابن الدغنة مع صعوبة الأمر؛ سنجد أنها ذات الكلمات التي نطقت بها السيدة خديجة -رضي الله عنها-، وهي تصف النبي -صلى الله عليه وسلم- عند بدء الوحي، كما جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي)، فقالت له -رضي الله عنها-: "كَلَّا! أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، ‌وَتَصْدُقُ ‌الْحَدِيثَ، ‌وَتَحْمِلُ ‌الْكَلَّ، ‌وَتَكْسِبُ ‌الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه).

 قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه للحديث: "قال العلماء -رضي الله عنهم-: معنى كلام خديجة -رضي الله عنها-، إنك لا يصيبك مكروه؛ لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق، وكرم الشمائل، وذَكَرَت ضُرُوبًا من ذلك، وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سببُ السلامة" (شرح النووي على صحيح مسلم).

فهذا مَعِين واحد سلوكي مجتمعي، ملأه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وشرب منه أصحابه من بعده، والمصلحون من بعدهم، ويجب أن يشرب منه كلُّ مَن صدق في حمل هذه الأمانة، وأراد أن يكون له وجود إصلاحي حقيقي متجذِّر في مجتمعه.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.