الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 20 أبريل 2026 - 3 ذو القعدة 1447هـ

الله -عز وجل- الذي لا يعرفه داروين (1-2)

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالباحث الإنجليزي تشارلز داروين هو صاحب كتاب (أصل الأنواع) الذي نشره عام 1859م، وطرح فيه نظريته عن النشوء والارتقاء، معتبرًا أن أصل الحياة على الأرض يرجع إلى خلية كانت في مستنقع راكد قبل ملايين السنين. وقد أخذت هذه الخلية في التطور عبر مراحل كثيرة طويلة وبطيئة أدت إلى ظهور الإنسان في صورته الحالية! وتفترض تلك النظرية أن تطور الحياة في الكائنات العضوية كان دائمًا تطورًا من السهولة والبساطة إلى الدقة والتعقيد، أي أن هذه الكائنات العضوية كانت تتدرج من الأحط إلى الأرقى.

وتنسب هذه النظرية هذا التدرج وهذا التطور إلى (الطبيعة)، فالطبيعة عند دارون هي التي وهبت كل الكائنات العضوية الموجودة على الأرض عوامل البقاء والنمو والتكيف لينتج منها أنواعًا أكثر رقيًّا. وقد تلت كل مرحلة من مراحل هذا التطور المرحلة التي سبقتها بطريقة حتمية فرضتها وحددتها العوامل الخارجية المحيطة بها، وخط سير هذا التطور هو خط لا يسعى لغاية مرسومة أو هدف بعيد؛ لأن هذه الطبيعة التي أوجدت هذا التطور غير عاقلة ولا واعية بما توجده. أي: أن دارون يقر بأن هذه الطبيعة تُطوِّر وتَرْتقي بدون خطة مرسومة، بل خبط عشواء، ولا تسير على قاعدة مطردة منطقية، ولكنها مع ذلك نجحت في إيجاد كائنات جديدة غاية في الرقي، وتجلى هذا الرقي في ظهور الإنسان.

وفي الوقت الذي ينفي فيه دارون وأتباعه وجود الخالق أو يثبتون وجوده فهم يرون أنه ليس بالخالق للمخلوقات بكل أنواعها، إذ ينسبون خلق هذه المخلوقات بكل أنواعها إلى الطبيعة، أي: أن الطبيعة خالقة الأشياء، وأنها لا حد لقدرتها تلك على الخلق. وقد تجاهل هؤلاء الدارونيون الفارق عندهم بين الاعتقاد في تلك الطبيعة الخالقة غير العاقلة وبين الاعتقاد بوجود الله -تعالى- الخالق البارئ المصور الحكيم العليم القدير بأسمائه الحسنى وصفاته العلى!

وقد رسَّخت نظرية دارون تلك مفهوم الماديَّة البَحْتة للحياة وساد معها الاعتقاد العام بأن كل ما هو جديد فهو أفضل وأكمل على الإطلاق من غيره طالما أنه تالٍ له في الوجود.

والحقيقة التي يتهرب منها الدارونيون: أن نظرية التطور تلك ما هي إلا خرافة لا علاقة لها بالعلم؛ إذ إن أجزاءً كبيرة من سلسلة أو حلقات تطور الكائنات على الأرض من خلية أحادية إلى نبات وحيوان وطيور ثم إلى إنسان راقٍ مفقودة، عجز -وسيعجز- هؤلاء الدارونيون عن الإتيان بها؛ لأن وجود هذه السلسلة المتدرجة التي يزعمونها مشكوك فيها غاية الشك، فزعم أن المخلوقات ككل إنما وجدت من خلال متسلسلة وراثية طويلة نتج بعضها من بعض بطريقة التعاقب خلال عملية تطور بطيئة وطويلة لا يمكن البرهنة عليه؛ إذ توجد حلقات عديدة مفقودة في سلسلة التطور هذه المزعومة.

وغاية ما في وجود حلقات من تلك السلسلة المزعومة غير المكتملة أن تكون دليلًا على الوجود المتميز الناتج عن عملية خلق لمخلوقات خاصة متميزة لا من مخلوق واحد فقط، وهذا ما اعترف به بعض الدارونيين بأن هناك أصولًا عدة للمخلوقات لا أصل واحد فقط تفرعت عنها أنواع المخلوقات.

قال أوستن كلارك: "لا توجد علامة واحدة تحمل على الاعتقاد بأن أيًّا من المراتب الحيوانية الكبرى ينحدر من غيرها، إن كل مرحلة لها وجودها المتميز الناتج عن عملية خلق خاصة متميزة، لقد ظهر الإنسان على الأرض فجأة وفي الشكل الذي تراه عليه الآن" (ينظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة). وقال ستانون: "إن الأقرب من الحقيقة أن تقول: إن جزءًا كبيرًا من السلسلة مفقودة وليس حلقة واحدة، بل إننا لنشك في وجود السلسلة نفسها".

وقد أُرغِمَ أيضًا آخرون من الدارونية على الإقرار بتفرد الإنسان بيولوجيًّا رغم التشابه الشكلي الخارجي بينه وبين القرد بعد التعرف حديثاً على وحدات الوراثة (الجينات) الخاصة بكل مخلوق على اختلاف أنواع المخلوقات، والتي تشير بوضوح إلى الاختلاف التام لتركيب خلايا الكائنات جينيًّا رغم التشابه الخارجي الذي يكون بينها. وهذه هي النقطة الفاصلة التي فضحت داروين وأتباعه.

قال كريسي موريسون في ذلك: "إن القائلين بنظرية التطور لم يكونوا يعلمون شيئًا عن وحدات الوراثة (الجينات)، وقد وقفوا مكانهم حيث يبدأ التطور حقًّا؛ أعني عند الخلية" (راجع المصدر السابق). إن نظرية دارون يجب أن تدخل متحف النسيان بعد اكتشاف وحدات الوراثة (الجينات) في الخلايا، باعتبار هذه الجينات وما عليها من الكروموسومات هي الشفرة السرية للخلية حسب نوع كل مخلوق، واعتبارها تحمل الصفات للإنسان الكاملة ولغيره وتحفظ الشبه الكامل للنوع.

لقد أثبتت الهندسة الوراثية: أن كل مخلوق من المخلوقات على الأرض على اختلاف أنواعها وأجناسها تختلف اختلافًا تامًّا في تركيب خلاياها بسبب ما تملكه من صفات وراثية خاصة بها تحملها جيناتها وتميزها عن غيرها. ولا يمكن أن تكون خلايا منها جاءت من خلايا نوع آخر، بل هي خُلقت مستقلة؛ لذا فلا يمكن أن ينطبق عليها أي نظام للترابط والارتقاء فيما بينها.

وقد تكلم في إبطال نظرية دارون تلك وفي رفضها العديد من العلماء الغربيين؛ منهم: (أجاسيز) في إنجلترا، و(أوين) في أمريكا، و(باستور) و(كريسي موريسون) و(ستيورات تشيس) وغيرهم. (راجع مذاهب فكرية في الميزان، د. علاء بكر).

إن وجود التشابه الخارجي بين الكائنات الحية على اختلاف أنواعها مع اختلافها في الجينات والكروموسومات فيما بينها دليل واضح ضد نظرية التطور؛ لأنه يدل على وجود الخالق الواحد لها، العليم الخبير، وأنه على كل شيء قدير، وأنه لا يعجزه شيء، وأنه الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. ولا شك في أن كل من درس علم التشريح ودرس علم وظائف الأعضاء (الفيسيولوجيا) يدرك تماماً أن أعضاء جسم الإنسان عامة والرئيسية منها خاصة كالقلب والمخ والرئتين والرحم إن لم تكن بدأت على هذه الكيفية الدقيقة المتناسقة في الخلق وفي التكوين ما كانت لتعمل أو تستمر في العمل والعطاء. وزعم أنها بكل ما فيها من التعقيد والإتقان الذي لا مثيل له ولا قدرة لنا على استيعابه الاستيعاب الكامل التام حتى الآن رغم كل التقدم العلمي المذهل قد تطورت عبر مراحل كثيرة من أعضاء بسيطة التركيب أو من خلايا عادية زعم خاطئ.

هل كانت أي امرأة ستحمل جنينًا حتى يكتمل نموه ثم تلده من خلال عملية ولادة مرهقة إن لم يكن لها رَحِم بمواصفاته الحالية كاملة، وهل كان تناسق عمل القلب والدورة الدموية مع الرئتين لاستخلاص الأكسجين من الهواء الجوي والتخلص مما في الجسم من ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء يمكن أن يحدث ويستمر إن لم يكن هذا القلب وتلكما الرئتان بهذه المواصفات المذهلة كاملة؛ ناهيك عن الكبد بدوره الذي لا غنى عنه في عملية الهضم ودوره في التخلص من السموم داخل الجسم، ودور الكلى الخطير في تنظيم نسب المعادن والأملاح داخل الجسم والتخلص من الأنواع أو الكميات الضارة منها في الجسم، وهي وظائف حيوية ما كان يمكن أن تلعب دورها الكبير هذا إن لم تكن هذه الأعضاء بهذا الكمال في الخلقة؛ قال -تعالى-: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) (فصلت: 53). وقال -تعالى-: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ . وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات: 20- 21).

إنه من عجائب الداروينيين والملاحدة والماديين أنهم يجعلون الطبيعة غير العاقلة بشهادتهم عليها هي بديلاً عن الله -تعالى-، وينسبون إليها ما يجب أن ينسب لله -تعالى- من الخلق وتنظيم وتسيير الكون، وهذا الإبداع في نظامه وإتقانه! سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.

ورغم كون دارون نصراني النشأة، لكنه كان لاأدري العقيدة، فإنه لم يكن يعتقد في تدخل الإرادة الإلهية في حوادث الحياة؛ لذا شطح بخياله في عالم مجهول وظنون لا حقيقة لها.

مذهب اللاأدرية: هو مذهب فلسفي يعتقد أصحابه أن وجود الله -تعالى- وماهيته وأصل الكون أمور لا سبيل لدينا إلى معرفتها. وترجع جذور هذا المذهب إلى السوفسطائيين اليونانيين، ويُعدُّ الفيلسوف الأسكتلندي (هيوم) من أبرز ممثليه بين المحدثين. (ينظر: العلم في منظوره الجديد، ص 159).

وقد تمسَّك مَن جاء بعد دارون من الماديين والملاحدة بأوهامه تلك؛ لأنهم لا يتصورون بحال من الأحوال أن يكون هناك خالق خلق كل هذه الأنواع من المخلوقات الموجودة على كثرتها خلقاً مستقلًا؛ فهذا (آرثر كيث) -وهو دارويني متعصب- يعترف بأن هذه النظرية لا تزال حتى الآن بدون براهين، فيقول: "إن نظرية دارون لا يدعمها أي برهان، ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الآخر هو القول بالخلق المستقل الذي يقول به الدين، وهذا ما لا يمكن التفكير فيه" (ينظر: السلفية وقضايا العصر، د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي. والموسوعة المفصلة في الفرق والأديان والملل والمذاهب والحركات القديمة والمعاصرة).

وقال (واتسون): "إن علماء الحيوان يؤمنون بالنشوء والارتقاء لا كنتيجة للملاحظة والاختبار والاستدلال المنطقي ولكن لأن فكرة الخلق المباشر بعيدة عن التصور" (ينظر: السلفية وقضايا العصر).

وحقيقة الأمر: أن دارون ومن تابعه لم يعرفوا الله -عز وجل- بأسمائه الحسنى وصفاته العلى كما جاءت جلية واضحة في كتاب الله -تعالى- وفي سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والتي مَنْ عرفها معرفة جيدة لا يشك لحظة في خلق الله -تعالى- لكل ما في هذا الكون وإحاطته به وتصرفه المطلق فيه وقدرته التامة على خلق أنواع لا تحصى من المخلوقات الحية التي تتشابه في فكرة خلقها مع تنوعها في القدرات والإمكانات والأشكال، وقد أعطى الله -تعالى- كلًّا منها ما عليه تقوم حياته وتستقيم.

علم الله -تعالى- بكل المخلوقات: الآيات القرآنية التي تُخبر وتُؤكد على علم الله -تعالى- بكل صغيرة وكبيرة وبكل المخلوقات الحية، بل وكل الجمادات في السماوات والأرض لا يغيب عنه شيء منها؛ قال الله -تعالى-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) في أن الله خلقهم ورزقهم (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) أي: ما تركنا في اللوح المحفوظ من شيء إلا وقد أحصيناه (ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) (الأنعام: 38).

- وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) (آل عمران: 5).

- وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ) أي: اللوح المحفوظ (إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحج: 70).

- وقال -تعالى-: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 59).

- وقال -تعالى-: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ) أي: وما يغيب عن ربك (مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (يونس: 61).

- وقال -تعالى-: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (سبأ: 3).

- وقال -تعالى-: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6). ومعنى مستقرها ومستودعها: حياتها وموتها. (ينظر التفسير الميسر).

- وقال -تعالى-: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ) أي: الله -تعالى- يعلم ما تحمله كل أنثى في بطنها، ويعلم ما يكون في داخل الأرحام من نقص في الخلقة أو زيادة فيها، ومن نقص في مدة الحمل أو زيادة فيها (وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد: 8– 9) (التفسير الميسر).

- وقال -تعالى-: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (لقمان: 34).

- وقال -تعالى-: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمْرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (فاطر: 11). - وقال -تعالى-: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلَنُونَ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: وما من شيء غائب عن علم الخلق في السماء والأرض (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ. (ينظر: التفسير الميسر).

- وقال -تعالى- على لسان لقمان الحكيم: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16).

- وقال -تعالى-: (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ) أي: يعلم -سبحانه- علمًا تامًّا ما يدخل في الأرض وما يخرج منها من نبات، وما ينزل من السماء من أمطار (وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) وما يصعد إليها من ملائكته ومن أعمال العباد (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) (سبأ: 2).

- وقال -تعالى-: (وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) (فصلت: 47).  

- وقال -تعالى-: (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلَنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (التغابن: 4).

- وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (فاطر: 38).

- وقال -تعالى-: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 13-14).

خَلْق الله -تعالى- لكل المخلوقات بلا استثناء:

فإنما يرجع علم الله -تعالى- لكل المخلوقات كما سبق وبلا استثناء؛ لكونه -تعالى- هو الذي خلق كل تلك المخلوقات بلا استثناء:

- قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16).

- وقال -تعالى-: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر: 62).

- وقال -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الأنعام: 102).

- وقال -تعالى-: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) أي: خلق الأصناف والأنواع كلها التي تنبت من الأرض (وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: وأوجدها أيضًا بقدرته من أنفسهم، الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر (وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) (يس: 36).

فالله -عز وجل- يخلق ما يشاء كما يشاء، ويَبُثُّه أين شاء ومتى شاء، ليس لأحد كائناً من كان في ذلك أيُّ تدخل أو اختيار:

- قال -تعالى-: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (النور: 45).

- وقال -تعالى-: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (الشورى: 49-50).

- وقال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ . هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (آل عمران: 5-6).

- وقال -تعالى- في قصة مريم -عليها السلام-: (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران: 47).

- وقال -تعالى-: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: فلا تكن من الشاكين في شيء مما أخبرناك به (آل عمران: 59-60). (ينظر: التفسير الميسر).

- وقال -تعالى- في قصة زكريا -عليه السلام-: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ) أي: لا تلد لكبر سنها (قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) (آل عمران: 40).

- وقال -تعالى- على لسان عيسى -عليه السلام- في قصة عيسى وما أيده الله به وأجراه الله -تعالى- على يديه من المعجزات بإذنه -تعالى-: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهيئةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ) (آل عمران: 49).

- وقال -تعالى-: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهيئةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي) (المائدة: 110).

- وقال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ) أي: هو الذي أوجد أباكم آدم من طين (ثُمَّ قَضَى أَجَلاً) وهو مدة حياتكم في هذه الدنيا (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) أي: وأجل آخر استأثر بعلمه، وهو يوم القيامة (ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي: ثم أنتم بعد كل ذلك تشكون في البعث أو تجادلون فيه (الأنعام: 2). (ينظر: التفسير الميسر). - وقال -تعالى-: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) أي: ما كان لهؤلاء المشركين أو غيرهم أن يختاروا شيئًا لم نرده (سُبْحَانَ اللَّهِ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص: 68).

وكذلك الطبيعة لا تملك شيئًا من الخلق والإيجاد إنما الأمر كله لله وحده:

قال -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) أي: بدء الخلق وإماتته وإعادته إلى الحياة شيء يسير على الله -تعالى- (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت: 19-20)؛ فأثبتت الآية الأولى بداية الخلق لله -تعالى- دون غيره، ثم إنه بعد إماتته للعباد يعيد خلقهم وإعادتهم أحياء مرة أخرى، وذلك عليه -عز وجل- هين يسير.

- وقال -تعالى-: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ) وهو آدم -عليه السلام- (مِنْ طِينٍ) فصار بقدرته -سبحانه- على أحسن صورة (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) أي: من ماء لا يُهتم به (ثُمَّ سَوَّاهُ) أي: ثم أوجده سبحانه في صورة حسنة (وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (السجدة: 7-9).

- وقال -تعالى-: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً) أي: أصنافًا من الذكور والإناث (فاطر: 11) (التفسير الميسر).

- وقال -تعالى-: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ . وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) (يس: 77– 79). - وقال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) (الشورى: 29). والمعنى: ومن العلامات الدالة على وحدانية الله -تعالى- وقدرته: خلقه للسماوات والأرض، وإيجاد المخلوقات المتنوعة فيهما. (ينظر: التفسير الميسر).

وللحديث بقية -إن شاء الله-.