الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 أبريل 2026 - 18 شوال 1447هـ

المأسور من أسره هواه (4)

كتبه/ رجب صابر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد ذكرنا في مقالات سابقة أنواعًا من السجن أو الحبس أو الأسر هي أشد وأخطر من غيرها، ومع خطورتها لا يتفطن إليها كثير من الناس، وذلك بالتعليق على عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية: "المحبوس مَن حُبِس قلبه عن ربه، والمأسور مَن أَسَره هواه".

وأعظم الخلق حبسًا هم الكفار والمشركون والمنافقون، ومن أنواع الحبس والأسر أسْر البدعة، وهناك نوع آخر؛ وهم: أهل الغفلة والشهوة والمعصية من المسلمين، ولا بد أن نسعى للوقاية من الوقوع في هذه الأنواع من الحبس والأسر، ونخاف على غيرنا أن يناله هذا البلاء؛ خاصة أن من خطورة مَن حُبست قلوبُهم عن الله وأسَرَهم هواهم أن لبعضهم شِباكًا وشِراكًا، سواء كانوا من الكفار أو المنافقين أو أهل البدع أو أصحاب المعصية.

ولقد أشرنا إلى بعض الشِّباك والشِّراكِ المتعلقة بالكفار أو المنافقين أو بعض أهل البدع، ويلحق بذلك أيضًا: أن الحارث بن أسد المحاسبي كان معروفًا بحسن وعظه ورقة أسلوبه، لكنه ممن وقع في بعض الأخطاء وكان عنده خلل في بعض المواضع من كلامه بسبب تأثره بعلم الكلام أو الخوض في دقائق النفوس والأحوال بما لم يكن عليه شأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والسلف الكرام، فحذَّر الإمام أحمد بن حنبل من مجالسته، مع أن الإمام أحمد كان يبكي عند سماعه.

نقل ابن كثير ذلك عن الإمام أحمد، ثم قال: "إنما كره ذلك؛ لأن في كلام بعض هؤلاء من التقشف الذي لم يرد به الشرع، والتدقيق والتنقير والمحاسبة البليغة ما لم يأت به أمر؛ ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازي على كتاب الحارث بن أسد المسمى (بالرعاية) قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الذي جاءه به: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث بن سعد، ودع هذا؛ فإنه بدعة" (ينظر: البداية والنهاية).

وكذلك لا نغتر بمن جرى على يديه خوارق العادات من أهل البدع وننجرف معه في بدعته، فقد قال يونس بن عبد الأعلى: "قلت للشافعي: إن صاحبنا، يعني: الليث بن سعد، كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال: قصَّر رحمه الله، إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة" (طبقات الشافعيين لابن كثير).

وحق لنا أن نقول زيادة على ذلك: إذا رأينا الرجل من أعبد الناس أو أزهدهم، أو أفصحهم، أو أحسنهم وعظًا أو أبلغهم خطابة؛ فلا نغتر به حتى نعرض قوله وعمله على الكتاب والسنة.

ولا يتعلل أحد بأن العلماء رووا الحديث عن أهل البدع وأخذوا عنهم العلم؛ فإن الأخذ عن أهل البدع له ضوابطه التي يعرفها العلماء؛ فلا نترك عامة المسلمين وبسطاءهم ليأخذوا عنهم فيضلوا وينحرفوا.

ولنحذر من مصاحبة أهل المعاصي الذين يزينون المعصية لأصحابهم ويهونونها عليهم، وقد قال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، ولنسرع بالتوبة ونجتنب الإصرار على المعاصي حتى لا نكون أسرى للمعصية فنصاب بإدمانها.

وصدق ابن المبارك في قوله:

رأيت الـذنوب تـمـيـت الـقـلـوبَ               وقـد يــورث الــذل إدمـانـها

وتــرك الـذنـوب حياة الـقـلـوب                وخـيـر لنـفـسـك عـصـيـانها

وهـل بــدَّل الـدِّين غير المـلـوك               وأحـبـار سـوء ورهــبـانـهـا

فمن اغتر بأهل الكفر والنفاق أو بأهل البدع أو بأصحاب المعاصي، وزَلَّت قدمه فيما هم عليه، فقد أخذ بأسباب حبس قلبه عن الله، وأسره لهواه.

نسأل الله العفو والعافية، والحمد لله رب العالمين.