الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ ياسر برهامي
الإثنين 06 أبريل 2026 - 18 شوال 1447هـ

الاستقامة في الكتاب والسنة

كتبه/ علاء بكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

الاستقامة في الكتاب والسنة:

رَوى الإمامُ مسلمٌ -رحمه الله- في "صحيحه" عَنْ سفيان بن عبد الله -رضي الله عنه- قالَ: قُلْتُ يا رسولَ اللهِ قُلْ لي في الإسلامِ قَوْلاً لا أسألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ؟ قالَ -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم).

وهذهِ وصيةٌ جامعةٌ مِنْ وصايا النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي أُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ؛ فَيُشيرُ إلى المعاني الكبيرةِ الجليلةِ بكلماتٍ وافيةٍ قليلةٍ، مِمَّا يُيَسِّرُ على مَنْ سَمِعَها فَهْمَها وحِفْظَها والعملَ بمقتضاها.

- قول الصحابي للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "قُلْ لي في الإسلامِ قَوْلاً لا أسألُ عَنْهُ أحَدًا غَيْرَكَ؟"، يُريدُ قَوْلاً جامعًا واضحًا يُسْتَغْنى بِهِ عَنِ العودةِ إلى السؤالِ.

- قوله -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ): فيهِ إرشادٌ إلى تحقيقِ أمْرَيْنِ:

1- الإيمانُ باللهِ -تعالى-، وهَذا الإيمانُ أصْلُ الدِّينِ.

2- الاستقامةُ على شَرْعِ اللهِ -تبارك وتعالى-، فَبَدَأَ بالعلمِ بمعرفةِ اللهِ -تعالى- المعرفةَ الواجبةَ، ثُمَّ اتْبَعَها بالعملِ بأوامرِ اللهِ -تعالى- ونواهيهِ؛ فَجَمَعَ بَيْنَ العلمِ والعملِ.

والإيمان في اللغة: التَّصديقُ، كَما جاءَ في قَوْلِ اللهِ -تعالى- في قصَّةِ يوسفَ -عليه السلام- قَوْلُ إخوةِ يوسفَ لأبيهم يعقوبَ -عليه السلام-: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) (يوسف: 17). والمعنى: "ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا صادقين" (ينظر: تفسير ابن كثير).

وفي الشرع: الإيمانُ هوَ تصديقٌ بالقلبِ ومَعَهُ إقرارٌ باللسانِ وعملٌ بالجوارحِ. وفي ذَلِكَ المعنى قَوْلُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في الحديثِ المرفوعِ: (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) (متفق عليه). والبِضْعُ: ما بَيْنَ الثلاثةِ إلى التسعةِ، (أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هو إقرارُ اللسانِ، (وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ) -تُنْحِيَةٌ وإبعادٌ- (الْأَذَى) -كُلُّ ما يُؤذي- (عَنِ الطَّرِيقِ) -طريق الناس-.

فقولُ لا إله إلا الله: هو إقرارُ اللسانِ. وإماطةُ الأذى: مِنْ أعمالِ الجوارحِ.

- وقال الله -تعالى- في شأنِ صلاةِ المسلمينَ الأوائلِ إلى بيتِ المقدسِ قَبْلَ تحويلِ القبلةِ في الصلاةِ إلى الكعبةِ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة: 143)، أي: صلاتكم.

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": (وَقَوْلُهُ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أَيْ: صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ ذَلِكَ مَا كَانَ يُضِيعُ ثَوَابَهَا عِنْدَ اللَّهِ . وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَاتَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تعالى- (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ورواه الإمام أحمد -رحمه الله- في "المسند". فَسَمَّى اللهُ -تعالى- الصلاةَ التي هيَ مِنْ عَمَلِ الجوارحِ إيمانًا؛ فَيَدْخُلُ في مُسَمَّى الإيمانِ شَرْعًا: تصديقُ القلبِ وإقرارُ اللسانِ وعملُ الجوارحِ.

تعريف الاستقامة لغةً واصطلاحًا:

أما الاستقامة لغة: مِنْ قامَ الأمْرُ: اعتدلَ، وقامَ على الأمْرِ: دامَ عَليهِ وثَبَتَ، وأقامَ الشَّرعَ: أظهرَهُ وعَمِلَ بِهِ. وإقامةُ الأمْرِ: أي توفيتُهُ حَقَّهُ، كَما قال الله -تعالى- في شأنِ أهلِ الكتابِ: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ . مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ . وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) (المائدة: 66).

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ) قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وغيره: هو القرآن، (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بين أيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة. وقوله -تعالى-: (لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض.

وفي تفسيرِ قولِ اللهِ -تعالى-: (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، قال ابن كثير -رحمه الله-: كقوله: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) (الأعراف: 159)، وكقوله عن أتباع عيسى -عليه السلام-: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) (الحديد: 27) الآية. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أبسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله عز وجل: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمَنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا) (فاطر: 32-33) الآية. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم يدخلون الجنة.

واستقامة الإنسان: لزومُهُ المنهجَ المستقيمَ، فالاستقامةُ كلمةٌ جامعةٌ آخذةٌ بمجامعِ الدِّينِ كُلِّهِ.

أنواع الاستقامة:

والاستقامة ثلاثة أنواع:

1- استقامةُ القلبِ: بقصدِ اللهِ -تعالى- والتوجُّهِ إليهِ وَحْدَهُ، وتجنُّبِ الالتفاتِ لِسواهُ؛ قال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا) (الروم: 30).

2- استقامةُ اللسانِ: فأعضاءُ الإنسانِ خاضعةٌ وتابعةٌ للسانِ، في صلاحِهِ صلاحُها في فسادِهِ هلاكُها، ففي حديثِ أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهُ قالَ: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). واللسانُ ترجمانُ القلبِ والمعبِّرُ عنهُ، ففي الحديثِ عَنْ أنس -رضي الله عنه- أنَّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: (لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ) والمُرادُ سلامةُ القلبِ، (وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ) والمُرادُ سلامةُ اللسانِ. والحديثُ حسَّنهُ الألباني في "صحيح الترغيب"، وضعَّفهُ آخَرونَ مِنهُم شعيب الأرناؤوط.

3- استقامة الجوارح: إذ لا صلاحَ لِلعَبْدِ إلا بتجنُّبِ ارتكابِ الجوارحِ لِلمعاصي والذنوبِ خاصَّةً كبائرَ الذنوبِ، وأداءِ الواجباتِ المفروضةِ.

الاستقامة في القرآن الكريم: وقد وردتِ الآياتُ العديدةُ في الأمْرِ بالاستقامةِ على شَرْعِ اللهِ -تعالى-، والثناءِ على أهلِ هذهِ الاستقامةِ؛ قال الله -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ) أمْرٌ بالثباتِ والدوامِ على الاستقامةِ (كَمَا أُمِرْتَ) أنتَ (وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) مِنْ أمَّتِكَ، وهُم أصحابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، ومِمَّنِ اتَّبعَهُ مِنْ أمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ (وَلَا تَطْغَوْا) نهيٌ عَنِ الطُّغيانِ، وهوَ مجاوزةُ الحَدِّ (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فهو لا يَخفى عَليهِ شَيْءٌ ولا يَغْفَلُ عَنْ شَيْءٍ (هود: 112).

وزيادةُ السينِ والتاءِ في كلمةِ (استقم) تُفيدُ الطلبَ، أي اطْلُبِ الاستقامةَ على الدِّينِ، كَما في كلمةِ (استغفر) طَلَبُ المغفرةِ. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه". وفي هذهِ الآيةِ مِنْ سورةِ هود والآياتِ الأخرى نَحْوَها قالَ -صلى الله عليه وسلم-: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وكان الحسنُ -رحمه الله- إذا قرأَ هذهِ الآيةَ قالَ: "اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة"؛ لذا قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة".

وقال الله -تعالى-: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) (الشورى: 15).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "(وَقَوْلُهُ: فَلِذَلِكَ فَادْعُ) أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه. وقوله -تعالى-: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله -تعالى- كما أمركم الله -عز وجل-. وقوله -تعالى-: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) يعني: المشركين فيما اختلفوا فيه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.

وقال الله -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) (فصلت: 6).

وقوله -تعالى-: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ): إشارةٌ إلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنْ وقوعِ التقصيرِ في الاستقامةِ المأمورِ بها فَيُجْبَرُ ذَلِكَ الاستغفارُ المقتضي لِلتَّوبةِ والرجوعِ لِلاستقامةِ. وفي هَذا المعنى أيضًا قَوْلُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وفيهِ: أنَّ فِعْلَ الطَّاعاتِ والحسناتِ عقبَ الذنوبِ سَبَبٌ لِغفرانِها ومَحْوِها.

وقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ) استقاموا على التوحيدِ فَلَمْ يلتفتوا لِغَيْرِ اللهِ -تعالى- (ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على ما شَرَعَهُ اللهُ -تعالى- لَهُم، فأخلصوا العملَ للهِ -تعالى- بأداءِ الفرائضِ وتَرْكِ المحرَّماتِ (تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) تُبَشِّرُهُم (أَلَّا تَخَافُوا) فيما هوَ قادمٌ (وَلَا تَحْزَنُوا) لِفواتِ مَحبوبٍ (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) فَمَنْ بَلَغَ بعَمَلِهِ كمالَ الاستقامةِ أمِنَ مِنَ الوعيدِ يَوْمَ القيامةِ، ومَنْ كانَ عِنْدَهُ أصْلُ الاستقامةِ أمِنَ مِنَ الخلودِ في النارِ (الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: 30).

وقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف: 13- 14).

الاستقامة في سورة الجن:

أمَّـا قَوْلُ اللهِ -تعالى- عَنِ الجِنِّ قَوْلَهُم: (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا . وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا . وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا . لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا) (الجن: 14- 17).

قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره": "(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ) أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) أي: طلبوا لأنفسهم النجاة، (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أي: وقودًا تسعر بهم.

وقوله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين: أحدهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) أي: كثيرا، والمراد بذلك سعة الرزق، كقوله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ)، وكقوله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بركاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ). وعلى هذا يكون معنى قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي: لنختبرهم، كما قال مالك -رحمه الله- عَنْ زيد بن أسلم: (لِنَفْتِنَهُمْ): لنبتليهم، لنعلم من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية.

قال العوفي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد -رحمه الله-: (وَأَلَّوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) قال: الإسلام، وكذا قال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء والسدي ومحمد بن كعب القرظي -رحمهم الله-. وقال قتادة -رحمه الله-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ): يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا. وقال مجاهد -رحمه الله-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) أي: طريقة الحق، وكذا قال الضحاك -رحمه الله-. وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي: لنبتليهم به.

القول الثاني: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) -الضلال- (لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) أي: لأوسعنا عليهم الرزق استدراجًا، كما قال -تعالى-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخذناهم بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ)، وكقوله: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ . نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ) وهَذا قَوْلُ أبي مجلز -رحمه الله-؛ فإنه قال في قوله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) أي: طريقة الضلالة، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان -رحمهم الله-، وله اتجاه، ويتأيد بقوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ).

وقوله -تعالى-: (وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسلكُهُ عَذَابًا صَعَدًا) أي: عذابًا مشقًّا شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد -رحمهم الله-: (عَذَابًا صَعَدًا) أي: مشقة لا راحة فيها. وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر فيها" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير).

الاستقامة في السنة النبوية:

وردت في الأحاديثِ النبوية عدَّةُ أحاديثَ في نفسِ المعنى؛ منها:

عَنْ ثوبانَ -رضي الله عنه-: أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: (اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). وعَنْ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ) قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا أَنَا . إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ) (متفق عليه).

فالمطلوبُ هوَ الاستقامةُ وهيَ السَّدادُ، فإنْ لَمْ يَقْدِرِ العَبْدُ عَلَيْها فَعَليهِ بالمقاربةِ مِنهَا؛ فالأمْرُ بالسَّدادِ، أمْرٌ بالإصابةِ وتحقيقِ الاستقامةِ: في النيَّاتِ والأقوالِ والأعمالِ. والمقاربةُ بَعْدَ فواتِ كمالِ الاستقامةِ تكونُ بحسبِ الطاقةِ، فإنْ لَمْ تُصِبِ الهدفَ فقارِبْهُ ما استطعتَ، مَعَ تجنُّبِ التفريطِ والإطاعةِ. وفي هَذا الحديثِ أنَّهُ لا يَرْكَنُ أحَدٌ إلى عَمَلِهِ ويُعْجَبُ بِهِ ويَرى فيهِ نجاتَهُ، فإنَّما النجاةُ تكونُ برحمةِ اللهِ -تعالى- وعفوِهِ وفضلِهِ.

صور من استقامة السلف الصالح:

ضَرَبَ كَثيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّالحِ صُوَرًا عاليةً مِنَ الاستقامةِ في الدِّينِ ملأتْ كُتُبَ السيرةِ والتاريخِ، بما جَعَلَهُم أئمَّةً وقدوةً يُقتدى بها.

فَمِنْ ذَلِكَ:

الربيعُ بنُ خُثَيْمٍ (بضم الخاء) -رحمه الله-: الذي كان تلميذًا مقربًا لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، فكان يحبه ويدنيه، وكان إذا رأى الربيع قال: (وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) (الحج: 34). قال رجل من أصحاب الربيع -رحمه الله-: صحبنا ربيع بن خثيم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد، يعني: كلمة طيبة، كما في قوله -تعالى-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) (فاطر: 10). وعن بعضهم: صحبت الربيع عشرين عامًا ما سمعت منه كلمة تعاب.

وعروةُ بنُ الزبيرِ -رحمه الله- الذي قُطعت ساقُه لَمَّا أصابتها قرحةٌ مستعصيةٌ فاضطر الأطباء لقطعها، فقال ابنه عبد الله بن عروة: "نظر أبي إلى رجله في الطست، فقال: إن الله يعلم أني ما مشيت بك إلى معصية قط، وأنا أعلم". ولما مات لعروة -رحمه الله- ابنه محمد قال: "اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت واحدًا وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفًا وأبقيت ثلاثة؛ لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت".

الحافظُ عبد الرحمن بن أبي حاتم -رحمه الله-: الذي قال عنه أبوه أبو حاتم -رحمه الله-: "ومن يقوى على عبادة عبد الرحمن؟ لا أعرف لعبد الرحمن ذنبًا!". وقال علي بن محمد البصري وهو في جنازة الحافظ ابن أبي حاتم: "رجل منذ ثمانين سنة على وتيرة واحدة، لم ينحرف عن الطريق".

ذم الإعراض عن الاستقامة:

وفي ذَمِّ كُلِّ مَنْ تنكَّبَ الاستقامةَ على الطريقِ في حياتِهِ الدنيويةِ يقولُ الشاعرُ معاتبًا:

يَا مُعْرِضًا عَنْ عِرْضِهِ وَحِسَابِهِ               لَا يَسْتَـعِـدُّ لِـيـَوْمِ نـَشـْرِ كِـتَـابِـهِ

مُـتَـعَـلـِّـلًا بِــعِــيَـالِـهِ وَبِــمَـالِـهِ                 مُـتَـلَهِّــيًا فِي أَهْلـِـهِ وَصِـحَـابِـهِ

مُـتـَـنَـاسِــيًا لِمَمَاتِهِ وَضَرِيـحِهِ                 وَنُــشـــُورِهِ وَوُقـــُوفـِـهِ وَمَـآبِهِ

الْقَوْلُ قَوْلُ مُصَدِّقٍ وَالْفِعْلُ فِعْلُ                مُــكَــذِّبٍ بِـثــَـوابِـهِ وَعِـــقــَابِـهِ

مَنْ قَــالَ قَــوْلاً ثُمَّ خَالَفَ قَوْلَهُ                 بِـفَــعــَــالِـهِ فَـفـَعَـالُـهُ أَوْلَـى بِـهِ

والحمد لله رب العالمين.