عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (2)
كتبه/ عصام حسنين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن الفوائد والعِبَر في قصة إسلام عكرمة -رضي الله عنه-:
2- الهداية والإضلال بيد الله وحده: فالله -عز وجل- يهدي من يشاء فضلًا، ويضل من يشاء عدلًا؛ فإنه -عز وجل- قد طبع على قلب الكافر، وجعل عليه مغاليق بسبب كفره وطغيانه، وهو الذي يفتحها متى شاء كما قال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد: 24).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه".
وقال ابن جرير -رحمه الله- -وذكر السند- عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله -عز وجل- يفتحها. أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر -رضي الله عنه- حتى وُلي، فاستعان به".
ففي لحظة يأتي الصلح مع الله -تعالى-؛ فهو الذي فتح قلب عكرمة -رضي الله عنه-، فعلم أن الله حق، وأنه المعبود وحده -تعالى- في البر والبحر، وفي السراء والضراء؛ فأخلص لربه الدعاء، وعاهد ربه عهدًا أنه إن أنجاه مما هو فيه ليأتين محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، ويعتذر عما كان منه، ويسلم. والحمد لله -تعالى-.
وهداية التوفيق والإسعاد بيد الله وحده؛ قال الله لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56).
وقد نزلت هذه الآية في أبي طالب وقد حضرته الوفاة؛ فجاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسرعًا حريصًا على هدايته، وعنده أبو جهل، فقال: (أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ). فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: "يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟!"، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: "على ملة عبد المطلب"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ). فنزلت: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: 113). ونزلت: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) (القصص: 56). (رواه البخاري ومسلم باختلاف يسير). أي: ليس إليك هداية من أحببت هدايته لقرابته، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة؛ فليس للنبي -صلى الله عليه وسلم- من الأمر شيء، إنما هو نذير -صلى الله عليه وسلم-، مع كمال منزلته وشرفه وخصائصه التي خصَّه الله -تعالى- بها.
وقال الله -تعالى-: (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحسابُ) (الرعد: 40)، وفي يوم أُحُد شُجَّ -صلى الله عليه وسلم-، وكسرت رباعيته الشريفة، وجعل يقول: (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟!)، فنزل قوله -تعالى-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ . وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 128-129). (رواه مسلم).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.